" الاستشران " اشير (لفرببة لسرن (طبعة ۱۹۹١‏ المريدة)

هذه هى الترجمة العربية الكاملة لكتاب Edward Said, Orientalism: Western‏

Conceptions of the Orient, 1995.‏ الصادرة عن دار بنجوین العالمية عام ٠۹۹٩‏

مرانا | الكتاب : الاستشراق

4

الكتاب

امفاهيم الغربية للشرق الكاتب : إدوأرد سعيد ترجمة: د. محمد عنانی المدير المسؤول : رضاعوض رؤية للنشر والتوريم القاهرة ٠١/۳۰٣۲۹۱۲۸‏ Email: Roueya @hotmail.com‏ فاكس : ٥۷0۲۸۵4۰‏ الإأخراج الداخلى : جوبى جمع وتنفيذ : الشركة الدولية اندمات الكمبيوتر الطبعة الأولى ٠٠٠٠‏ رقم الإیداع : ۲۰۰۹/۱٤۳۰۷‏ التر فيم الدو لى : 977-6174-21-3

# جميع الحقوق محفوظة ل ر

0

ۋيبة

فهرس الكناب

موضوع الصفحة تصدير المترجم VT SSS Sea ee‏ شکر وتقدیر TO Rasa‏ مقدمة المؤلف E ESS RE ARS‏ الفصل الأول نطانالاسشراق أولا : معرفة الشرقى AE ESS‏ ثانيًا : ا جحغرافيا النيالية وصورها : إضفاء الصفات الشرقية على الشرقى E ADEA‏ ثالثًا : مشروعات EE AOR SES‏

الصفحة رابعا : الأزمة e REO OS‏ المصلالثانى أبنية الاستشران وإعادة بنائها

أولاً : حدود أعادوا رسمهاء وقضايا أعادوا تعريفها ودين

جعلوه علماتًا VV RSA‏ ثانبًا : سلفستر دى ساسى وإرنست رينان : الأنشروبولوجيا

العقلانية ومختبر فقه اللغة E‏ ثالنًا : الإقامة فى الشرق ودراسته : متطلبات تصنيف المعاجم

ومتطلبات الخیال E‏ رابعا : الحجاج ورحلات احج من بريطانيا وفرنسا VV RS‏

SS

الفصل‌الثالت الاستشران‌الآن أولا : الاستشراق الكامن والاستشراق السافر RG‏ ثانيًا : الأسلوب والخبرة والرؤية : الطابع الدنيوى للاستشراق .... اا : الاستشراق الأنجلوفرنسى الحديث فى أوج ازدهاره رابعا : آخر مرحلة OES EASES‏ تذییل طبعة SE ERR ٠۹۹٩‏ الهوامش O OE‏

س فھرس الکتاب

الصفد

1L .

FE

هذه هى الترجمة العربية الكاملة للطبعة الغانية المزيدة الصادرة عام ٥‏ من كتاب الاستشراق للمفكر العالمى والناقد الفذ إدوارد سعيد» وهى التى نشرتها دار بنجوين (١1ناع"ع۴)‏ العالمية ء وكانت الطبعة الأولى للكتاب قد صدرت عام ۱۹۷۸ عن دار رتلدج وکیجان پوJ Routledge & Kegan)‏ ان۴). ثم أعيد إصدارها دون تنقيح أو زيادة عام ۱۹۸١‏ عن دار بيرجرين »)Pere8rine(‏ وبعدھا نشرتھا کما هی دار بنجوین عام ۰۱۹۹۱ وإذن فإن الطبعة الجديدة المزيدة هى التى تعتبر الطبعة الثانية حا حيث المضمون» وهكذا رأيت مثلما رأى الناشر أن من حق القارئ العربى ان يلع على آخر صورة للكتاب الذى وضعه هذا العبقرى» ولا شك آنه يهم كل عربى فى هذه الأناهة بد أن مضت له مات الفراسات فى القرت وقي الشرى: وهن التى تتفاوت ما بين الدراسات الأكاديية المحخصصة التى اتخذت صورة الرسائل العلمية الجامعية» وما بين الدراسات الثقافية العامة فى صورة الكتب والدراسات المتفرقة» وقد أمدتنى الباحثة وفية حمودة» من جامعة طنطاء بعدد هائل من هذه وتلك» عكفت عليها فى الشهور الأخيرة أقرؤها وأحاول

س تصدير

E

استيعابها قبل الترجمة وآثناءها وبعدهاء ويكفى أن آذكر أن ملخصاتها وحدها تملأ مجلدا كاملاً. وسرف آشير عرضًا إلى أن باحثينا الأكادييين فى مصر ساهموا بقسط كبير فى هذا المجال» فكان من نصيب جامعة القاهرة رسالتان» دمت الأولى عام ٠١ ١٠١‏ فى قسم اللغة الانجليزية» وقدمتها الباحثة منى سامی» عن المدخل الثقافی للسياسة عند إدوارد سعيد» والأخری عام ۲١۰۵‏ عن استجابة العالم العربى لفكر إدوارد سعيد مع التركيز على كتاب الاستشراق» وقدمها الباحث محمود عبد الحميد محمود أحمد» فى قسم اللغة الإنجليزية أيضًاء وتتضمن قائمة ببليوغرافية شبه كاملة» وكان من نصيب جامعة جنوب الوادى رسالة قدمها فى عام ۲١٠١٠١‏ الباحث سمير أحمد عبد اللعيم فى قسم اللغة الانجليزية كذلك بعنوان النظرية النقدية عند إدوارد سعيد» كما أصدرت الجحامعة الأمريكية بالقاهرة عددا خاصًا من مجلة الأدب المقارن ”ألف (رقم )٠١‏ بعنوان ”إدوارد سعيد والتقويض النقدى للاستعمار"“. وهو عدد رائع يتضمن قسمًا بالعربية وآخر بالاإنجليزيةء شارك فيهما نخبة من كبار الملقفين المرب والأجانب؛ ويتضمن قائمة ببليوغرافية

۾ تصدير ۾ س

12 mi‏ منتخبة لأعمال إدوارد سعيد وترجماته وما كتب عنه. كما أصدرت مجلة سطور الشهرية كتبًا مترجمة عنه» ونشرت لهذا المغكر ولا تزال نشر دراسات کتبها هو أو كتبت عنه» هذا إلى جانب ما كته عنه كبار المجلات الثقافية فى مصر» ولا أظننى بحاجة إلى تعدادها. وإزاء هذا الكم الهائل من الادة العلمية المتاحة عدلت عن محاولة تلخيص ما جاء فيها - كلها أو بعضها - أو حتى عن عرض أهم تياراتها فى هذا التصديرء اكتفاء بما فعله غيرى» فليس التصدير المكان المناسب للعرض أو التلخيص» لكننى سوف آتناول فيه مسألتين مهمتين» الأولى هى من هو إدوارد سعيد (لمن لا يعرفه من القراء العرب» ومن الشباب خحصوصًا) والثانية هى لاذا اذم الآن ترجمة جديدة وبين أيدينا الترجمة المشهورة التى قدمها كمال أبو ديب منذ ربع قرن؟ وسوف أبدأ بالإجابة على السؤال الثانى لأنه الأصعب وإن لم يكن الأهم. قلت فى مطلع التصدير إن هذه ترجمة للطبعة الثانية المزيدة الصادرة عام ۰۱۹۹٩‏ وفیها یضیف إدوارد سعید فصلا كاملا - أسميته تذييلاً - عن وقع كتاب الاستشراق فى العالم الغربى وغير الغربى معا ويعيد النظر فى بعض المسائل التى رأى أنها تحتاج إلى إعادة نظرء ويرد فيها على بعض نقاده وما تعرض له كتاب الاستشراق من قبول أو رفض فى الغرب خصوصاء بعد اققا ا ن عة شر ماعل ر الط الر وخا ف انه مبرر كاف لتقديم الكتاب ”الجديد“ للقارئ العربى» ولكنه ليس المبرر الوحيد. فالواقع أن اللغة العربية المعاصرة التى نترجم بها الكتب الأجنبية لغة حية متطورة ما تفتأ تتغير» ولقد شهدت هذه اللغة من التغيرات فى ربع القرن الماضى مالم تشهده على مدار ما يقرب من قرن كامل» وأكاد أقول منذ أحمد فارس الشدياق» صاحب الحوائب» المجلة التى كان يصدرها فى النصف الأخحير من القرن التاسع عشر ويقدم فيها الترجمات الجحديدة للمصطلحات الحديشة التى أصبحت اليوم على أفواه الجميع. ففى الربع الأخير من القرن العشرين اعترف العالم بأن اللغة العربية لغة عالمية».

س تصدير

13

وآأصبحت من اللغات الأساسية (الست) فى الأآمم المتحدة» وانتشرت 2 المصطلحات الحديدة» إما عن طريق التعريب أو عن طريق الترجمة» وداب أرباب اللغة العربية على تنقيحها وتشذيبها وإشاعتهاء وساهمت الصحافة فى ذلك الجهد» حتى وصلنا إلى ما يقرب من ثبات معانى المصطلحات الجديدة فى العربية التى تثبت يومًا بعد يوم مدى حيويتها وطواعيتها وسلاستها رندرتعا لى الإنن رالخليد. ولا هك ةمرلا مفطت دة د اى مصطلح جديد - ليس يسيراً فى كل الأحوال» فالتخصصون يجتهدون ويطرحون ما يرونه على الجمهورء فإن قبله اللسانء وقبلته الأذنء شاع واستقر» ولم يعد عليه خحلاف» وهذا جهد قد يستغرق سنوات طويلة فى كل الأحوال وفى كل لغات العالم» وكذلك فى اللغة العربية» بطبيعة الحال» ولكن سرعة التغير فى ربع القرن الأخير كانت غير مسبوقة» سواء فى أحداث العالم من حولنا أو فى فنون الترجمة والتعريب واللغة العربية المعاصرة» ولن أفيض فى هذا الحديث الذى خحصصت له كتبًا كاملة فى الفترة من ٠۹۹۳‏ (تاريخ صدور الطبعة الأولى لفن الترجمة) إلى ۲۰۰۳ (تاريخ صدور نظريات الترجمة الحديثة) كما تناولته تفصيلاً فى الفصول الأولى من كتابى الملصطلحات الأدبية الحديثة ١۱۹۹ء‏ فكل ما أريد أن أقوله هو أن لدينا الآنء بفضل جهود العلماء العرب على امتداد الوطن العربى» لغة عربية معاصرة تتميز بالوضوح والمرونة وثبات المعانى الجديدة.

وهکذا فإذا کان من حق کل عصر أن ”يقرا“ فکر الماضی' وآدابه على ضوء مفاهيمه الحديدة المعاصرة» وكان من حق العربى أن يقرا“ ما آل إليه من ”السلف“ على ضوء مفاهيمه الجديدة التى يتوسل فيها باللغة العمربية المعاصرةء فإن من حق العربى أيضًا أن يعيد ترجمة الآثار الفكرية والأدبية المهمة إلى هذه اللغة المعاصرة» وإذا كان ذلك لا يرى بوضوح فى الماضى إلا فيما بين ”العصور“ المتفاوتة» بسبب ”بطء“ التغير فيما بين تلك العصور فى العالم وفى الوطن العربى» فإنه يرّى الآن بوضوح ما بين الأجيال التى قد لا يزيد عمرها من الزاوية الزمنية الصرفة عن ربع قرن» بسبب سرعة التحولات

۾ تصدير ن س

14 | التى شهدها العالم الحديث وشهدتها العربية المعاصرة. وأذكر آننى قلت ذات مرة إن من حق كل جيل أن يترجم آثار ”الماضى" إلى لغة يفهمها أبناء العصر» وكان تعريف الماضى“ ينحصر يومًا ما فى الأزمنة السحيقة» ولكنه

أصبح يشمل الآن آعمالا لم يض عليها سوى نصف قرن أو ربع قرن.

اضف إلى هذا آننى أومن بان المترجم ”مفسر“ » ومعنى ”التفسير' » هو تحويل الفكرة إلى لغة العصرء وهو يقترب اقترابا كبيراء إذن» من مفهوم الشرح“ الذی یقدمه بازل ویلی» وإِن کان یختلف عنه فی أننا نطلق على الترجمة“ لفظة_ ”التفسیر؟ أو الاجتهاد“ )1"۲٤۲P۲۵۲۵۲10۸(‏ بمعنى تقديم المعنى“ بالصورة التى يفهمها أبناء العصر»ء أو أبناء الجيل فى هذه الأيام» ولذلك فربا تعددت صور“ نص كلاسيكى من عصر إلى عصر بل ومن جيل إلى جيل» مثلما نتوقع أن تختلف 'رؤية“ نصوص هذا الجيل فى عيون الأجيال اللاحقة. أى إنه مثلما يختلف القراء والنقاد هذه الأيام فى ”فهمهم“ - بمعنى ”تفسيرهم؟ - لآراء إدوارد سعيدء والدليل على ذلك قائم فی تعدد ”المفاهيم' أو ”التفاسير' التى قدمها القراء والنقاد لكتاب الاستشراق على مدى ربع القرن الأخير» سواء فى البلدان ”الخربية“ أو البلدان 'الشرقية فإن المترجمين يختلفون فى فهمهم لنصوص إدوارد سعيد وأساليب تقديم صور هذا الفهم إلى فُرّاء اللغة ارجم إليها . فإذا أحذنا فى اعتبارنا أن المفكر إدوارد سعید ذو اسلوب خاص به» بل أصبح علمًا عليه ولا یکاد یشارکه أحد فيه» خحصوصاً لانه باحث أدبى فى امقام الأولء ولانه يكثر من الاعتماد على النصوص الادبية إلى جانب النصوص ‏ الثقافية“ وينطلق فى دراسته العلمية من مناهج البحث العلمية فى النقد الأدبىء وأن هذا الآأسلوب الخاص يمثل صعوبة خحاصة للقارئ حتى فى البلدان الناطقة بالإنجليزية. بسبب كثرة استدراكاته (والاستدراك من صفات الكتابة العلمية فى العلوم الإنسانية التى يصعب فيها التعميم وإصدار الآحكام المطلقة) وبسبب كثرة ميله إلى التحرز' العلمى فى القول» وتوسله فى الصياغة بكل ما تتيحه اللغة من مبان متداخحلة مركبة » وحفوله بظلال المعانى التى نكسب معانيه ‏ الرئيسية“ ثراءً وجمالاء

س تصدير

15

أقول إذا أخحذنا كل ذلك فى اعتبارنا أدركنا سر ما اشتكى منه قراء العربية (مثل قراء الانجليزية) من ”صعوبة' نصوص إدوارد سعيد.

وكأنغا كنت أحس أننى صائر حتمًا إلى ترجمة الاستشراق يومًا ماء بدأت اهتمامى بترجمة إدوارد سعيد» بعد ترجماتى لشيكسبير وميلتون وبايرون فى الأعوام الأربعة الأخيرة» بكتاب يشل الفترة الأسلوبية ‏ الصعبة' عند إدوارد سعيد وهو تغطية الإسلام فى عام ۰۵ ۲۰ وآردفته بکتاب آیسر أسلوبًا ويمثل مرحلة لاحقة لدى هذا الكاتب الكبير»ء هو الممقف والسلطةء وعندما آقبل القراء المرب على ترجمتى لهما وتقبلوهما بقبول حسن» أحسست أننى وجدت السبيل الصحيح لعالجة“ الاستشراق» فتوفرت على ترجمته بإخلاص ودآب. مؤمنًا بأننى أخاطب القارئ العربى اليوم» وآن مهمتى تنحصر فى آمرين: الآول هو النقل الواضح لافكار إدوارد سعيد» مهما كلفنى ذلك الوضوح من عناء فى إعادة صوغ بعض التراكيب الخاصة باللغة الالجليزية حتى تستسيغها الأذن العربية > والثانى هو الحفاظ - فى حدود أعراف الفصحى المعاصرة - على السمات المميزة لأسلوب إدوارد سعيد» وهى التى المحت إليها بإيجاز فى الفقرة السابقة > حتى يظل اسلوب الكاتب علمًا عليه بالعربية» مثلما هو علم عليه بالإنجليزية» وهما أمران متلارمان.

ففى سبيل الوضوح لجأت فى المخطوط الأول للترجمة إلى وضع الإضافات' الطفيفة الشارحة لبعض ما قد يجده القارئ العربى غامضًا أو غير مألوف بين أقواس» ثم وجدت أن أقواسى“ قد تختلط مع أقواس المؤلف. فعباراته الاعتراضية تنهض بدور أساسى فى المعنى سواء وضعها بين شرطتين أو بين قوسين» فعدلت عن مقصدى الأول وحذفت ما كنت وضعته من أقواس» وجعلت هذه الإإضافات الطفيفة جزءا لا يتجزاً من النص العربى؛ فمثلاً عندما يقرا القارئ الخربى اسم الجمعية الشرقية“ الفرنسية مكتوبا بالفرنسية لن يحتاج إلى وصفها بأنها فرنسية » وقس على ذلك أسماء يعض امن الى يعرفها الغارئ الأورويى وقد لا برها الحرين رط الثقافة ء أو أسماء بعض الأدباء الآأجانب ودلالاتهاء وهكذا دابت على تعديل

۾ تصدير م

| الصوغ با يلائم تعديل ”المخاطب“ » بحيث يصل المعنى المقصود إليه دون

غموض قدر الطاقة» وهكذا فإن الأقواس الواردة فى نص إدوارد سعيد أقواسه هو» وأما علامات الفصل والوصل أو الترقين“ )10١(‏ ۲4ء" uم)‏ فهى تتغير» بطبيعة الحال» بتغير اللغة» فلكل لخة تقاليدها فى الكتابة» ومن العبث» مثلاأًء استخدام شرطة قبل جملة صغيرة أو عبارة طارئة مضافة› فالشرطة لابد لها من شرطة آخحرى تضمن اعتبار ما بينهما جملة معترضة للسياق. وآما التقاليد الترقينية“ التى ثبتت فى الفصحى المعاصرة» مثل استخدام النقط للدلالة على كلام محذوف» أو ترك مسافة قليلة للدلالة على بداية الفقرة» أو الدخحول بالهامش قليلاً عند اقتطاف قول لكاتب آحر» فقد حافظت عليها بدقة» محافظتى على علامات الجمل الاعتراضية .

وبهذا كله أرمى إلى أن تتمتع هذه الترجمة بقدر لا بأاس به من الوضوح» على ما أراعيه فيها من التزام الدقة إلى أقصى حد ممكن» ولم يكن هذا أو ذاك بإمكانى قبل فترة ”التدريب“ على ترجمة ”اسلوب“ إدوارد سعيد فى الكتابين اللذين ذكرتهماء وبطبيعة الحال قبل أن تتوافر فى اللغة العربية المعاصرة ما تزخر به اليوم من المصطلحات العلمية العربية الجديدة. وأما إذا كانت دقة التعبير عن فكرة معقدة عند الكاتب تقتضى بناءً عربيًا لا يتمتع بالوضوح الكاملء فقد تحايلت على البناء - فى سبيل الدقة والوضوح - حتی آتی بالمعنى المقصود بأسلوب آخر» وفی هذا ما فیه من عتت» ولکن الدقة العلمية هدف نبيلء وتحقيقه مطلوب بأى سبيل وبأى أسلوب» ولو اقتضى ذلك التضحية ببعض خحصائص الاأسلوب الأصلى . فأنا أرى فى الكتاب فائدة متجددة» خصوصًا فى الأيام التى اشتد فيها ساعد ”العولة' وكثر فيها الحديث عن ”صدام الحضارات“ » كما يقول إدوارد سعيد نفسه فى الفصل الذى آضافه فى هذا الكتاب .

مذهبى فى الترجمة إذن أقرب إلى التقريب“ منه إلى التغريب“ فليس الهدف هو تقديم صورة ”مقلوبة“ للنص الأصلى بحيث تقرأ من اليمين إلى اليسار بدلا من العكس» ولكن صورة صادقة للأفكار التى يوردها الكتاب

تصدير

| 17 وقد اکتست اسلوبًا عربيًا بمعنى نها أصبحت تئل ما يفهمه قارئ اليوم فى هذا الكتاب معبّرًا عنه بكلمات عربية واضحة» ولهذا لم أقرأ ما سبق من ترجمات لإدوارد سعيد لأنهاء حتى لو كانت حسنة» تمشل ما فهمه غيرى› وفى غير هذه اللحظةء من الكتاب» أو ما عبر عنه غيرى بالفاظ أو باساليب قد لا تحمل المعنى نفسه لقارئ اليوم. فكل ترجمة تحمل طابع صاحبهاء وهو قول لا يقتصر صدقه على الترجمات الأدبية التى ”تمل إلى حد بعيد مفهوم المترجم الخاص للنص وطرائقه فى التعبير عَمَّا فهمه وقدرته على البيان» مثلما تمل“ استجابة الجيل الذى ينتمى إليه» أو العصر الذى نبت فيه» لكل نص من النصوص الأدبية التى تتغير صورها بتغير المترجمين وتغير الأجيال. وأما ما أعنيه تحديدًا ”بالتقريب“ فهو أقرب ما يكون إلى ما يعنيه المترجم والباحث المعاصر لورنس فينوتى بمصطلح (domestication)‏ ى إضفاء طابع الألفة على الأفکار والصور حتى يتقبلها قارئ الترجمة فى إطار مفاهيم لغته وأساليبها البيانية» وهو يختلف عن ”التغريب؟ (۸12۵)10۸ ع1٤0۲‏ عند فينوتى) الذى يعنى الاحتفاظ بالمذاق الأجنبى للنص الأدبى حتى يظل أجنبيًا بمعنى عدم الانتماء إلى أدب اللغة المنقول إليها وخروجه عن إطارها. والسبب الذى يجعلنى أرفض دعوة فينوتى إلى التغريب هو أنه منهج قد يصلح للترجمة فيما بين اللغات الأوروبية التى تنتمى بصفة عامة إلى ثقافة متجانسة» إن لم تكن واحدةء وتتميز بالقدرة على تبادل المصطلحات بسرعة عجيبة» فما إن أتى فوكوه الفرنسى بمصطلح الخطاب“ حتى تلقفته اللغات الأورويية الآخرى كما هوء وما إن أتى دريدا الفرنسى بمصطلح الاختلاف والإرجاء' حتى شاع فى أوروباء بل إن أبنية العبارات أنفسها تصور مدى التوافق فى البناء الفكرى فيما بين هذه اللغات» فالفقافة المتجانسة تيسر التقارب“ بصورة طبيعية فيما بينهاء كما بين كاتفورد فى تحليله اللغوى للترجمة ما بين الفرنسية والإنجليزية» وكثيرًا ما كنت أترجم العبارة الفرنسية التى أقابلها - حتى فى نص إدوارد سعيد نفسه - إلى الإلجليزية قبل أن ترجمها إلى العربية» عن غير قصد» فيظهر معناها عندى بوضوح وجلاء. ولكن هذا المذهب لا يصلح فيما بين اللغات التى لا تنتمى لثقافات متجانسة»

و تصدير م

18 ولا شك فی الاختلافات القائمة بين اللغات الأوروبية الحديشة وبين اللغة العربية التى تتمتع بتاريخ ثقافئ طويل» وهو التاريخ الذى أورث آلفاظها معانى متعددة» يرتبط بعضها بالعصور التى شاعت فيها بعض هذه الألفاظ والتى لا يستطيع المترجم العربى أن يتجاهلها حتى ولو كان يحَمَلها معانى حديثة أو جديدة» وحتى لو كان واثقًا من أن الكثيرين من النشء لا يحيطون بها. كما إن للعربية طرائقها الخاصة فى التعبير أو فى البيان» وهى التى إذا لم يلتزم بها المحرجم نمر منه القارئ أو أرهقه على أقل تقدير . آقرل إ6 دى ماهت ‏ القت الى آخد بهل قمر عل رة النصرص الأدبيةء بل يتعداها إلى النصوص الفكرية المتخصصة» بل هو أشد ما نحتاج إليه عند ترجمة هذه النصوص التى قد تحمل أفكارًا فلسفية عويصة يصعب على القارئ متوسط الثقافة استيعابها فور قراءتها» وقد تتطلب منه إعادة القراءة. فالانتماء الصادق إلى التراث العربى هو الذى يمكن الخرجم من النطق بلسان عربى مبين» وكنت أهتدى فى مسلكى بكار أساتذة جيلنا الذين قدموا لنا أعوص الأفكار بأسلوب سلس واضح» من أحمد أمين ولویس عوض إلى محمد فرید آبو حدید وزکی جیب محمود» بل وصاحب الأسلوب ”التلغرافى البالغ الوضوح والتأثير سلامة موسى» فلقد بين لنا هؤلاء أن الترجمة مشل الكتابة تقتضى بذل الجهد فى التقريب والإيضاح لا التغريب والتعمية» وهو الجهد الذى آلقيت عليه الضرء فى كتابى بالإنجليزية (On Translating Arabic: a Cultural Approach, 2000)‏ . وآما اذا أكلف نفسى هذا الجهد فى ترجمة كتب إدوارد سعيد فالواقع آننی آری آنه جدیر به بل بالمزيد لانه من القلائلء إن لم يكن الكاتب الوحيد الذى خاطب الغرب بلغته ومنهجه العلمى الحديث» فكشف الغطاء عما يتخفى بقناع الثقافة والدراسة العلمية من مواقف سياسية لا ترمى إلا إلى تحقيق مطامع أو مصالح مادية صرفةء وبهذا ساهم فى توطيد الهيكل الحالى لا يسمى بالنقد الشقافى“ أو المدخحل الثقافى فى النقد الأدبى» وهو الذى يربط بين الأدب» والكتابة والدرس بصفة عامة» وبين النزعات البشرية

تصدیر

mM

المنحطة التى يدينها الغربيون بآلسنتهم ويؤيدونها فى قلوبهم وأفعالهم حتى العصر الحالى بل حتى هذه اللحظةء مثل النزعة العنصرية» والتعصب العرقى تحديدا» ومثل الأطماع المادية الاستعمارية القائمة على الجشع الملحض» ومثل نشدان التسلط والسلطان لذاتهء وهو ما يتجلى فى بناء الامبراطوريات. أى الأمرياليةء وما إلى ذلك بسبيل .

ولقد أقام إدوارد سعيد الححجة على هذا كله متبعًَا ما أسميته بالمنهج العلمى الحديث فلم يسع الغرب إلا أن ”يقرأ“ وآن يقر له بصواب المنهج› ولو اخحتلف البعض معه فى بعض ما انتهى إليه الكتاب . وإذن فإن هذا كتاب فى المنهج : إنه بحث نقدى يقوم على أسس فكرية صلبة» من دعائمها تبيان خداع بعض ما يكتسى المظهر العلمى وهو فى حقيقته عنصرى. مثل إطلاق صفة ”الشرقى“ على كل ما يرى فيه أبناء الغرب اختلافًا عن الحضارة الغربية» والتذرع بهذه ”الصفة'٠‏ أو التسميةء للقول با يجافى الحقيقة والواقع من نسبة خصائتص جوهرية أو عناصر إنسانية تمثل ”جوهر“ الشرق باعتبارها نقيضًا للفرب» وهو ما يسمى بالنظرة ”الجوهرية » أو المذهب الجوهرى (كاiاentiعess).‏ وإدوارد سعيد يأتى بالأدلة القاطعة على أن هذه النظرة لا تقوم على أسس علميةء لأنها لا تعمل حسابا للتاريخ والتطور وغيرهما من العوامل التى تتحكم فى حياة الإنسان» كما يثبت أن من ورائها - إلى جانب الطمع الاستعمارى والنظرة العنصرية وطلب السلطان - خوقًا دفينًا غا يطلق الغرب“ عليه صفة الشرقى أو يسميه الشرق“ وحسب» وهو خوف مركب - وفكرة ”التركيب“ أساسية فى منهج إدوارد سعيد - إذ يضم بقايا إحساس أبناء أوروبا بالجهل» وكل مجهول ذو خشية ورهبة» ويضم بقايا حوف أوروبا من تهديد ”الشرق“ الذى كان يتمشل يومًا ما فى الدولة العثمانيةء والغرب يحاول القضاء على هذا الخوف الدفين (آى غير المعلن) أساسا بتزييف صورة ما يعتبره مناقضًا له» على نحو ما فعله حين اعتبر الإسلام ثلا للشرقء وما فعله حين اعتبر العرب مثلين للشرق لآنهم يعيشون فى الشرق الأدنى» ويعتبر الإرتكان إلى التقسيم الجغرافى وحده» دون آى اعتبارات إنسانية صادقة»

و تصدير ھ

20 n‏ جزءا من هذا التزييف. وقد عاد إدوارد سعيد إلى هذا الموضوع نفسه فى كتابه الذى ترجمته له تغطية الإسلامء الذى يعتبره الكاتب استمرارا لعرض وآما من هو إدوارد سعید لمن لا یعرفه فهو مفکر وناقد آدبی ”أمریکی' من أصل عربى» ولد فى القدس» فى فلسطين عام ١۹۳٠ء‏ وتوفى فى آمریکا عام ۲١ ٠۳‏ والتحق فى مطلع حياته بالمدارس الابتدائية والثانوية فى القدس وفى القاهرة ْم تخصص فى الأدب الإنجليزى فى جامعة برنستون الأمريكية عام .1۹١۷‏ وحصل على الماچستير من جامعة هارفارد فى عام ٠‏ وعلى الدكتوراه من الجامعة نفسها عام ٤١۱۹ء‏ حيث فار بجائزة أفضل ناقد فلفت الانظار إليهء وبدأً حياته العملية أستادًا يتنقل بين الجامعات الأمريكية الكبرى حتى استقر به المقام فى جامعة كولبيا أستادا للغة الإنجليزية وآدابها وللأدب المقارن. وعندما نشر كتابه الأول عن الروائی چوريف كونراد» الذى كان صورة معدلةٌ لرسالة الدكتوراه التى قدمها للجامعة كان يضع قدمه على درج المجد» وكان ذلك فى عام ١١۱۹ء‏ إذ أدرك المجتمع الاکادعی“ فی آمریکا وأوروبا آن ناقدا ”أصيلا قد ظهرء واستجاب له ذلك المجتمع. فبدا يارس الكتابة التى تخاطب غير الاكادميين أيضًا إلى جانب الاكادييين» وبدآ يحظى بالإعجاب وبدات كتبه تفور بالجوائز» وهو ما أكسب آراء» مصداقية وحقق لها الذيوع وانتشار التأثير» وخحصوصًا بعدما عمل واعيا فى مطلمع السبعينيات على تدعيم ركائز المذهب الذى أصبح يرتبط با وهو . النقد الثقافى“ . کان إدوارد سعید یرهص فی کتابه الأول عن کونراد بالا تجاه الذى سار فيه بعد ذلك» وکان عنوان الکتاب هو چوزيف كونراد وخرافة السيرة الذاتية (انظر مقدمتى لترجمة تغطية الإسلام القاهرة ۲۰۰۵ - ص ۱۲ - )١۳‏ وهو يقارن فيه بين الصورة التى يرسمها كونزراد لنفسه فى خطاباته» معتبرًا إياها ضربًا من ضروب السيرة الذاتية ء وبين الروايات أو القصص التى كتبهاء قاثلاً إن الكاتب كان يحاول فيها تحقيق ما عجز عن تحقيقه فى سيرته الذاتية غير

س تصدير

21

اللاشرة» أآى فى خطاباته. وإدوارد سعيد هنا يستخدم التورية فى اللفظة الإنجليزية التى ترجمتها بالخرافة (١۲10ء١؟)‏ فهى تعنى أيضًا التخيل أو الوهم بالمعنى العام» وقد تعنى فن الرواية الخيالية أو القصة الخيالية طالت آم قصرت . وهكذا فإنه يقول» من خلال هذه التورية» وخحصوصًا فى الفصلين الثانى والثالث» إن صورة الذات التى يرسمها الكاتب واعيًا أو غیر واع لا تبرز ولا تتضح معالمها إلا من خلال المقابلة بينها وبين ما يختلف عنهاء بل وما يبدو ”معارضًا“ لهاء مستفیدًا فى ذلك با قالت به سنیمون دی بوٹوار عن التعارض ”الثنائى“ بين الذات والآخر» وما أتى به البنيويون عن الثنائيات

المتعارضة .

ولكن إدوارد سعيد لا يركز هنا على النظرية البنيوية بل يستفيد منها وحسب فی وضع منهج خاص به تأثر فيه (باعترافه) بالفیلسوف چامباتستا ٹیکو» فهو يبنى منهجه على آساس التعارض والتكامل معا بين ما أصبح يسمى بالوعى و”الوعى الغاصب“ بمعنى أن وعى الفرد بذاته لا يتحقق إلا من خلال التعارض بين الذات وبين الآخرء لكنه لا يتخذ صورته الكاملة إلا عن طريتق ”التكامل“ مع هذا الآخر الذى يفرض نفسه عليه (إلى حد ”اغتصابه“) وقد يكون ذلك ”باحتواء“ الآخر أی بضمه إلى وعيه» آو بنبذه ومعاداته حتی يصبح الاثنان قطبين متعارضين وإن كانا يكملان بعضهما البعض كما تكتمل الدائرة الكهربائية عند اتصال القطب الموجب بالقطب السالب. وتركيز سعيد فى هذا الكتاب على الوعى يربطه بمذهب ‏ الظاهراتية“ أو الفينومينولوچيا الذى أرسى أسسه الفيلسوف إدموند هوسيرل وطوره الفيلسوف مارتن هايديجر فيما بعد. فمذهب e‏ يصر على أن القصد أو العمد أساس كل وعى إنسانى» وأن الوعى لا يتحقق إلا بوجود هذا القصد أو العمد» وإدوارد سعيد يتوسل بهذه الفكرة فى الاستشراق عندما يعرض لمواجهة الوعى الغربى مع الآخحر» آى الشرق الذى يثل وعيًا غاصًاء فالمستشرق قد يحاول احتواء“ هذا الآخر باعتباره فرعا منهء مثلما اعتبر بعض المستشرقين أن الإسلام صورة ‏ منحرفة“ من صور المسيحيةء وبهذا

۾ تصدير و س

موه" إلى الوعى الغربى »› وقد يحاول نبذه ومعاداته بحيث يصبح القطب

السالب الذى تكتمل به دائرة البشر الكهربائية“ !

وهكذا نرى منذ البداية أن اهتمام إدوارد سعيد بالفلسفة كان من وراء نظريته التكاملية“ إلى الأدب» وهى التى سوف تؤدى إلى ترسيخ مذهبه فى النقد الفقافى الذى يربط ما بين الأدب باعتباره ظاهرة إنسانية تقوم على الإبداع (والتخيل) وبين حقائق الواقع والتاريخ والمجتمع والفكر الإنسانى . وهو مذهب تکاملی ودینامی معا بمعنی أنه - إلى جانب الجمع بين الظواهر المختلفة فى المجتمع. التى يكمل بعضها بعضًا - يصر على أن هذه الظواهر غير ثابتة» وآنها تتحرك وتتغير وتتلون» وهى تتأثر بمسار التاريخ وفكر الإأنسان مثلما تؤثر فيهماء ومن ثم فإن الأدب» ما دام ظاهرة إنسانية » يرتبط بكل شىء عداه فى حياة الإنسان المادية والنفسية والروحية» وهذاهو ما يجعل ”البداية“ عسيرة فى أى منهج علمى» وهى قضية بالغة الأهمية عند سعيد» طرحها فى كتابه الثانى البدايات: المقصد والمنهج“ الذى أصدره عام ,٥‏ وعاد إليها هنا فى مقدمة الاستشراق التى تعتبر استكمالا لا جاء فى ذلك الكتاب .

هذا الكتاب الثانى يعتبر ”الصورة التجريدية“ لمذهب سعيد الفكرى» فهو کتاب یستکشف فيه سعید» أو يحاول استجلاء بعض القضايا الخاصة بالمنهج› مستفيدا من النظرية الحديثة“ وناقضًا لبعض جوانبها التى تتسم بالتطرف أو العلْوّء فهو يصوغ نظرية كاملة تقوم على العاملين اللذين ذكرتهما من قبل وهما التكامل والدينامية» وتتضمن تطوير التعارض الثنائى“ الذى سبق أن المحنا إلى احتمال تأثره فيه بالبنيوية بحيث لا يقتصر على مفهوم التعارض الثنائى بين الذات والآخر (أو حتى بين الذات والموضوع» وهو ما يقول الناقد الانجليزى كولريدج إن الأديب يلغيه فى لحظة الإبداع بمعنى صهر الطرفين معا فى العمل الأدبى) بل يتعداه إلى التعارض بین کل منشیء أو مبدع وبين ما سبقه» وهو ما لابد منه حتى يستطيع المبدع أن يبدأً: إنه يشعر بانتمائه إلى اللإنسان وإلى ما أبدعه الإنسان من آداب وفنون وما اختطه من دروب وشعاب

س نتصدير

فكريةء فيعارض هذا الانتماء بدايةء وإن كان فى الحقيقة يؤكد وجوده بمعارضته إياه» فالعمد' القائم فى المعارضة المبدئية يهئ له الوعى بالاختلاف» مهما تكن صورة ذلك الوعىء ولكن ممارسة الاختلاف؟ تجعله» رغم أنفه» امتدادا لما سبقه» فهو يضيف إلى ما ”فعله“ غيره» ويعدل من صورته فی الوقت نفسه فی عیون آبناء جیله» حین یتکامل عمله مع عملهم» وهو ما قال به ت. س. إليوت ذات يوم عن فردية الأديب وأصالته فى إطار علاقته بتراث الماضى» والأديب إذن يقلق“ لتأثره بمن سبقه» وهو تأثر محتوم» فيحاول ”عامدا“ أن يختلف بعد البدايات“ » ولكنه يبدا على ای حال» ولابد من بداية ماء مهما تكن .

ويخصص إدوارد سعيد فى هذا الكتاب فصلا كاملا ينكر فيه القول بأن عوامل الاختلاف" والبداية' ترجع إلى الجوانب الفنية وحدهاء غلى نحو ما يقول هارولد بلوم فى كتابه الذى كتبه فى الوقت نفسه تقريبًا عن قلق التأثير Harold Bloom. The Anxiety of Influence: A Theory of Poet-‏

ry, N.Y., OUP, 1973.

وکما قال به بلوم عام ۱۹۸۲ فی کتابه عن تنقيح“ الأديب لا سبقهء بل يرجع إدوارد سعيد عوامل الاختلاف فى المقام الأول إلى الجوانب الثقافيةء فيخصص الفصل الذى يستعرض فيه النظرية النقدية الحديثةء ناقدا وناقضًا ومستفيداء للحديث عما يسميه الأوليات الثقافية وعنوان الفصل ””أوليات ثقافية : الغياب. الكتابةء البيانء الخطاب علم الآثارء البنيوية“. وهو هنا يستدرك على النظرية المذكورة بعض المسائل» ويؤكد فى كل محور من محاور الفصل أن الأديب يدور فى فلك ثقافى أولا ولا فكاك له منهء فشقافته الشخصية تؤكد أن له كيانًا مستقلاً يتيح له إثبات أصالته» ويبتعد إدوارد سعيد فى هذا الفصل عن إنكار وجود ”الذات“ أو ما يسمى بالشخصية' ٠‏ وهو ما نادت به باعل وات تظرية ما بد اة > ويقترب افنخرابا

۾ تصدیر ۾

& شديدا من موقف إليوت المشار إليه» ومن موقفه الذى أصبح علَمّا عليه

والمثقف والسلطة (القاهرة .)٠١٠٠٠١‏

وكأنما أحس إدوارد سعيد بضرورة إيضاح موقفه وتييزه عن مواقف معاصريه وأسلافه» فكتب مقدمة جديدة للطبعة الفانية من كتاب البدايات: المقصد والمنهج الصادرة عام ۱۹۸١‏ يفرق فيها بين ما يسميه البنوّة (0ناهن1ا؟) وبين ما يسميه الاتّباع أو الانتساب (۴۴111410ة). فالبنوة عنده تعنى الانتماء فى خحصائص معينة للتراث الأدبى والفكرى بداية» وهو انتماء حتمى مثل انتماء الأبناء إلى الآباءء فالإبن لا يلك .إلا أن ينتمى إلى أبويه» فهو ينحدر من نسلهما ويرث منهما صفات بيولوجية ونفسية معينة» شاء ذلك أم أبى» ولكن الاتّباع أو الانتساب عنده يقوم على الاختيار أى على القصد والعمدء والتعارض بين هذين الطرفين (الذي يسميه تعارضًا بين قطبين أو تعارضًا ثنائيًا) يفسر عنده الخطاً الذى وقعت فيه بعض الاتجاهات فى النظرية الحديغة التى تزعم أن كل إنتاج أدبى ينتمى إلى ما سبق إنتاجه من أدب وفقًا لقانون الحتمية (أى حتمية البنوة) فكأنما لا ملك الأديب ذاتًا تمكنه من إيجاد بداية جديدة لنفسهء وكأنما لا يمكن أن توجد بداية جديدة لأى شىء» فحتى لو كانت ”للبدایات“ جذور أو أصول فيما سبق من كتابات أو أقوال» فلا شك أن الكاتب أو الشاعر أو المفكر قادر على أن يأتى بالمحديد الذى يكون أصيلا“ وعلمًا عليه فى هذه الحالء ولابد أن يعتبر هذا الجديد بداية من لون ما - کما سبق آن قلت .

ويطبق إدوارد سعيد نظريته المذكورة فى تحليله للمستشرقين وتقسيمهم إلى فئات وفقًا لمدى ”بنوتهم' لتقاليد الاستشراق ومدى اتخاذهم بداية أصيلة» حتى لو عادت بهم إلى الانتماء من راوية أخحرى. فهو لا يدين المستشرقين جميعاء ولكنه يدين تقاليد الاستشراق باعتباره الإطار الفكرى والشقافى العام الذى يندر أن يخرج عنه حتى ذوو الأصالة من الادباء والمفكرين . فقد يتمتع أحد الأدباء بخيال خصب يدفعه دفعا إلى التحليق فى

س تصدیر

أجواء غير واقعية» استلهامًا لصور جديدة أو لأفكار مثيرة وما إلى ذلك فيجد فى صورة الشرق“ التى قدمها غيره مسن الأدباء والباحثين الزاد“ الذى يبحث عنه» فينتفع بهذا الزاد ويضفى عليه المزيد نما يسميه كولريدج التلوين الخيالى“ » فإذا قرأ غيره ما كتب ظن أن هذه الكقابة» بسبب ”أصالتها“ الظاهرة - من الزاوية الأدبية الصرفة - وقوة تأثيرها الفنى تقدم صورة صادقة وأمينة» فإذا تکاثرت آمثال هذه الکتابات آنشات جوا آو مناخًا نفسيًا أو فكريًا معيًا لا يلك الباحث العلمى أن ينجو من تأثيره فيه» وإذن فنحن نرى هنا كيف عمد“ الكاتب الأول عمدا إلى نشدان الغرابةء قوافر فى حالته 'الوعى“ (القائم على العمد) وتحقق بذلك جانب الاختيار» بمعنى أنه اختار ما يراه غريبًا وعجيًا دون أن يلزمه شىء٠‏ فانتسب واعيا إلى ذلك الجو أو المناخ» ونرى فى حالة الباحث العلمى الذى ينشأً فى المجو أو المناخ النفسى آو الفكري الذى آوجده غيره تحقيق جانب الانتماء (ما يسميه سعيد عنصر البنوة) فهو - مهما يخلص فى عمله العلمى“ - ”وليد“ هذا الجوء وهو يتنفس هواء»» ويشعر» شاء أم أبى» بانتمائه إليه» وهو الانتماء الذى يكاد يكون محتومًا» وهكذا دواليك» فالصورة الأولى أو الصور الأولى التى تمثل الشرق» وهى التى رسمها أوائل المستشرقين لما رأوا فيه اخحتلاقًا صارخا عن حياتهم» وأطلقوا عليه صفة ”الشرق“ العامة» كانت تقوم على مباحث فقه اللغات الشرقية“ (السامية والهندية القديمة) وكانت تركز على الغريب والعجيب» وتلح إلحاحًا شديدا على القدم وبعد المسافة الزمنية التى تفصل أوروبا فى مطلع القرن التاسع عشر عن ذلك ”الشرق“ (وهى التى يؤكدها بعد المسافة الجغرافية) وقد تكون فى ذاتها ذات قيمة علمية مؤكدة» ولكنها أوجدت المناخ الذى دعا المبدعين إلى اعتبارها الصورة الحقيقية الوحيدة والحاضرة أبدا أى التى تظل على قدمها وغرابتها وثباتها وجمودها أبد الدهرء وبتكاثر من تأثر بها من المبدعين والرحالة و الحجاج“ إلى الشرق» نشا الجر الذى آصبح لا مفر من التآثر به بعد ذلك حتى من بين العلماء.

وإدوارد سعيد يخصص خاتمة كتابه البدايات: المقصد والمنهج للحديث

ھ تصدير و س

26 5 عن تأثير الفيلسوف فيكو فى ذلك الكتاب» ولنا أن نقول فى الواقع إنه يشرح تأثیر ٹیکو فى منهجه الخاص» الذى لا يقتصر على كتاب دون كتاب» بل هو المنهج العلمى الذى لا يتخلى عنه فى أى شىء مما كتب. ونستطيع أن نلمح أولى بوادر هذا التأثير فى اهتمام إدوارد سعيد اهتمامًا بالعًا بقضية التصوير (التمثيلى) (۲10۸١ء١١٣م٠)‏ فى العلوم اللإأنسانية» وتبيان ما يشوب الاعتماد على هذا التصوير أو التمشيل من عيوب منهجية» فالصورة التى تمثل TT‏ تقتصر على بعض جوانبه فقط (كما يبن رولان بارت فى حديثه عن الصورة والاأيقونة والشفرة) وهى إذن ليست الشىء فى ذاته» بل وحتى لو زعمت أآنها تمثل ‏ جوهره" فهى مجرد تمثيل لهذا الجوهرء وفيكو يقول إن على الباحث أن يحيط بجميع جوانب الشىء إذا أراد آن یضع له تعريقًا جامعا مانعاء وهذا شبه محال فى العلوم الإنسانية فالإنسان متعدد الجحوانب» ويعيش فى ظروف متعددة متغيرة» ويخضع لعوامل التاريخ التى تؤثر فيه مثلما يؤثر فيهاء وإذن فإن واجب الباحث الأول هو الإلمام بشتى العوامل ورسم أكبر قدر يستطيعه من خطوط الصورة ودرجات آلوانهاء وتحديد النسب الخاصة به ن بينه وبين غيره» وهذا هو ما یقول به إدوارد سعید» بل ما يعتمد عليه فى نقده للاستشراق. إذ آتاح له اکتشافه“ (أو إعادة اكتشافه) للفيلسوف فيكو أن يتخذ المنهج الذى أسميته المنهج التكاملىء أو ماءيسميه فيكو المنهج السياقى“ » وآن يطبقه فى تبيان خروج التقاليد الاستشراقية عنه» واعتمادها على صورة تمثيلية لحانب واحد من جوانب الشرق» واعتبارها جوهر الشرق أو حقيقته. وقد عاد إدوارد سعيد إلى الفيلسوف فيكو فى الفصل الأّخير من كتابه تغطية الإسلام والذى يناقش المعرفة والسلطة» ولكنه يشير إليه فيه فحسب باعتباره تلمیذ فرانسیس بیکون» كما عاد إليه عام ۱۹۹٤‏ عندما كتب الثقف والسلطة وقال إنه كان يعتبره مثله الأعلى يومًا ماء وأما فى الاستشراق فإن سعيد لا يشير إليه إلا إشارة عابرة (رما بسبب تخصيص فصل كامل له فى البدايات) ومع ذلك فهو يطبق المنهج الذى يقول إنه تعلمه منه. ونحن نعرف

س تصدير

27 آن الفیلسوف الإیطالی چیوفانی جامباتستا فیکو (۱۹۹۸ - )۱۷٤٤‏ فیلسوف ما يسمى بالتاريخ الشقافىء آى دراسة التأثير والتأثر ما بين التاريخ والثقافةء لا تاريخ الثقافة فى ذاتهاء فهو يرصد فى كتبه الأولى مظاهر التفاعل المحتوم بين ”المناخ؟ الشقافى والتاريخ» ويؤكد فى آهم كتبه وهو العلم الجديد؛ n0۷4(‏ »2٣eعciء)‏ ضرورة النظر فى العوامل التاريخية عند دراسة ثقافة من الثقافات» وكان قد أصدر كتيبات تضم الخطوط العريضة لهذا الكتاب عامى ۱۷۲١ - ٠۰‏ قبل الانتهاء من كتابته» ولكن رجال الكنيسة الذين كانوا یرعونه (وینشرون کتبه) لم یکونوا راضین عن أحد كتبه الأولى التى تدعو إلى الدراسة العمقلانية لجميع الظواهر بلااستثناءء وغضبوا منه حين نشر هذه الكتيبات» فلم يأبه لهم ونشر الكتاب المذكور المهم على حسابه الخاص عام ٥,؛,‏ ووضع فيه ما يسمى بالمذهب التاريخى (القديم) وهو أقرب المذاهب إلى ما نسميه الآن بالمذهب التاريخى الجحديدء أو الحاريخية الجحديدة التى تعارض ”عزل العوامل“ أو الفصل بين العوامل» وتضع على رأسها العوامل الاقتصادية التى تتحكم فى الثقافة» ويتوسل بها الكنّاب فى أمريكا (مثلما يتوسل الكتاب بالادية الثقافية فى بريطانيا) فى تحليل النصوص باعتبارها دلائل غير مباشرة على تفاعل الكتاب مع ثقافة عصرهم»› ومن ثم على التناص الملحتوم فى كتابات العصور المتوالية. ومع أن المذهب التاريخى القديم» أو المذهب التکاملى الدینامی عند فيكو كان يرتبط بدراسات أخحرى أتت فيما بعد ببعض فروع علم الإنسان آو الانشروپولوچيا وبعلم الأعراق أو الإثنولوچياء فإن الاهتمام الرئيسى لإدوارد سعيد بهذا المفكر يكاد يقتصر على المنهج المجرد' فى كتاب البدايات وإن كنا نلمح تطبيقات هذا المنهج واضحة جلية» كما ذكرت» فى الاستشراق. وربا لم أكن آغالى حين وصفت كتاب الاستشراق بأآنه بحث فى المنهج. وكنت آقصد بقولى إن الكتاب يثل أسلوب استقراء كتابات المستشرقين للكشف عما يكمن فيها من مواقف ثقافية قد تتفاوت من كاتب إلى كاتب ومن عصر إلى عصر ولكنها تتميز بموقف آساسى يرجع إلى ارتباط

۾ تصدير م

28 | المعرفة بالسلطةء واعتماد كل منهما على صاحبتهاء فالسلطة بشتى أشكالها - السياسية والعسكرية والمالية بل والعلمية - تحدد نوع المعرفة“ واتجاهاتهاء كما إن المعرفة لارمة لقيام السلطة واستمرارهاء وهو الموضوع الذى يخصص إدوارد سعيد فصلا كاملاً له فى تغطية الإسلام (١۱۹۸)ء‏ بعد أن اتخذه أساسًا للتمييز بين ما يسميه الاستشراق السافر“ وبين ”الاستشراق الكامن؟ فى كتاب الاستشراق» وبعد أن عاد له فى الفصل الرابع من كتابه التالى وهو المسألة الفلسطينية (۱۹۷۹) وهکذا نجد آن الاستشراق الذی تشر عام ٠۹۷۸‏ يمثل واسطة العقد فى أعمال إدوارد سعيدى لانه بمثل التطبيق الكامل› والعلمى الدقيق» للمذهب التكاملى الدينام الذى اكتشفه عند فيكو حين يثبت علاقة الثقافة أو الإطار الثقافى العام بكل ما يتتجه من أفكار وآداب إنسانية فى بلد ما وفى عصر ماء فما يسميه الاستشراق الكامن“ أو المستترء يشير إلى الموقف الثقافى لكل من تعرض للتفكير فى الشرق أو للكتابة عنه أو لاستلهامه فى الأعمال الادبية فى الغرب» وهو الموقف الذى قد لا تدركه العين للوهلة الأولىء ولكنه يحدد مسار الكتابة (الأدبية أو الفكرية) رغم أنف الكاتب» ولذلك أعتبره نقطة التحول الرئيسية لا فى فكر سعيد أو عمله فحسب بل فى مسار نظرية النقد الأدبى الحديثةء بعد أن ”حرر“ هذه النظرية من المركزية الأوروبية“ ومن التجريد الذى مارسه أصحابهاء» وخصوصا من الفلاسفة الفرنسيين وأتباعهم الأمريكيين» ففتح الباب أمام حبرات أبناء ما يسمى ببلدان العالم الثالث» وبخاصة تلك التى تحررت من الاستعمار» حتى يعيدوا النظر فيما ورثوه من العهود الاستعمارية من ”صور تمثيلية“ (للعالم ولانفسهم) وهى التى فُرضت عليهم فرضتًا واصبحت تمثل لهم طرائق تفكير علمية وليست سوى صور رائفة لانفسهم وللعالم» وقد أعاد بعضهم النظر فعلاًء فبدا التشكك فى عدد من الأفكار التى خلفها الاستعمار» حتى بين أفراد النخبة أو الصفوة المتعلمة» ومن بين هذه الأفكار القول بأن الاستعمار كان لارمًا ”للنهوض“ بهذه البلدان و تحديثها بمعنى مساعدتها على الاحذ بأساليب الحياة الحديثة“ سياسيًا واقتصاديا واجتماعياء حتى تلحق بركب الحضارة» والمقصود هو الحضارة الغربية الحديثة - بطبيعة الحال - كأنغا كانت

تصدیر

249 |

الحضارة الإنسانية مقصورة على نسق الحياة فى مجتمعات الغرب الرأسمالية | وحدهاء ومن بينها أيضًا ما يكمن خلف أى علاقة بين أبناء أوروبا (والغرب عمومًا فى وقت لاحق) وبين أبناء الشرق (على اتساعه وتنوعه) من تفوق ”ُجوهری“ أوروبى» أى تصور وجود عناصر جوهرية“ فى ابن الغرب تكفل تفوقه دومًاء حتى فى المجالات الإنسانية التى لا يقاس فيها التقدم بالقوة العسكرية أو الصناعية وحدهاء مث الأدب» ومن توابع هذه النظرة الإيحاء بتخلف" الآداب الشرقية عمومًا عن الآداب الغربية» وهو ما يفترض تأثير ما هو ”متفوق على ما هو ”متخلف“ فى مناهج دراسة الأدب المقارن» وما تلا ذلك من مغالطات ومبالغفات فى تصور هذا التأثير» بل وفى تقديم الأدب العربى نفسه إلى القراء الغربيين» فمن وراء ذلك كله يكمن الاستشراق المستتر الذى يتمثل فى موقف ثقافى عام أو فلك ثقافى كبير يدور اللحميع فيه .

وهکذا نری کیف ساهم إدوارد سعید فی تدعیم سس ما یسمی بالنقد اللقافى» وكيف مهد كتابه الاستشراق لما أصبح يسمى نقد الاستعمار critigue(‏ اoniaاco)‏ أو ما يسميه إدوارد سعيد نقد ما بعد الاستعمار )Pstcolonia1 criticism)‏ ومن آهم ظواهره ما ذكرته فى الفقرة السابقة من قيام أبناء البلدان التى تحررت من الاستعمار بإعادة النظر فى التركة الاستعمارية» وهو ما يتجلى فی آدابهم وما أتسى به من مجالات جديدة للدراسات النقدية» إذ انتشرت فى بلدان العالم الثالث الدراسات التى تناقش المواقف الثقافية الكامنة فى نظرة أبناء هذه البلدان إلى ذواتهم» وهى نظرة دونية» ترجع إلى ما ورثه هؤلاء من التركة الاستعمارية التى ساهم فيها المستشرقون» كما شجع النقد اللقافى - الذى يله الاستشراق -- على ازدهار نظريات النقد النسوى التى تقوم على ضرورة إعادة النظر فى صورة المرآةء لا فى الملجتمع فحسب على نحو ما ينادى به دعاة المساواة بين الجنسين» بل فى مختلف مجالات النشاط الإنسانى» إذ إن الاستعمار ومن وراثه الاستشراق ”الكامن؟ قد رسخ أو عمل على ترسيخ الصورة القديمة للمرآة» وذلك بربطها دائمًا بصورتها فى العهود السحيقة» ورفض إمكان

ھ تصدير س

| التغيير والتطور»ء فالمستشرقون ينطلقون» مهما اختلفت مذاهبهم› من الان

بوجود صورة ثابتة جامدة لما أسموه الشرقء وفيها تظل للمرأة كما هى إلى الأبدء كائتًا مسلوب الإرادة والفكرء أى إنهم بإنكارهم عوامل التاريخ ينكرون التطورء بل - كما يقول إدوارد سعيد - يسلبون اللإنسان إنسانيته . وهذا فرع مهم من فروع النقد الثقافىء لاأنه يعيد وصل ما انقطع من وشائج بين الكاتب الفرد وبين ثقافة عصره» وهى الثقافة التى يرثها من الأسلاف مثلما يتشربها من المناخ الذى يحيط به فصورة المرآة التى نراها فى الأعمال الأدبية القدية ليست مطلَقَّةٌ مجردة بل هى من ثمار عصر معين» ومن نتاج ثقافة معينة» ولا مدخحل لتفهمها بالأسلوب الصحيح إلا بدراسة هذه الثقافة .

وهكذاء وحتى لا أرهق القارئ بالمزيد عن إدوارد سعيد ومنهجه» وهو الذى خحصصت له النصف الثانى من هذا التصديرء اختتم حديثى بتبرير اقتصارى على الحديث عن المنهج» إن كان الأمر فى حاجة إلى التبريرء فأقول إننى لن أستطيع - مهما حاولت - تلخيص أفكار هذا الكاتب العملاق» فهو يستند فى كل فكرة إلى قراءات واسعة متبحرة فى الفلسفة والأدب والتاريخ وغيرها من العلوم الإنسانيةء وهو يقتطف من آقوال الثقات الكثير والكثير» ولا سبيل إلى إدراك مجمل أفكاره إلا بالإبحار فيها بتأن وتؤدة» فهى تمتد شاسعة كالبحر الذى لا حدود له وآما إن شثت تلخيص المنهج فى كلمة أو كلمتين قلت إنه موقف يقوم على الان المطلق بإنسانية الإنسان وقدرته على تخطى حدود الزمان والمكانء فهو - فى كل مكان على وجه هذه آلأرض - ينبض دائمًا بنبض الحرية» ولذلك فإدوارد سعيد يعجب بل ويدهش دهشة الشاعر (فهو فى أعماقه شاعر فنان) عندما يتبين خداع الغرب لذاته» وتَنْكُرةٌ ما داب على الدعوة إليه والتغنى به على مر القرون منذ صر الته فة الاورونة من عجينة لفرية الأتسان وعقله وطافاة الإيداعية وهو يدهش دهشة الشاعر أيضًا حين يلمح ما وقع فيه كبار المبدعين من تزييف لحقائق الواقع بسبب غلبة الإطار الفكرى الذى أقامه كبار المستشرقين بدعوى العلم والمعرفة فأوقعوا فيه قلوبًا وعقولا كثيرة» وهو يعرب عن حيرته

تصدیير

31

ن دک ایا ل کارل ارک قول ما قر عن مانا mı‏ المستضعفين ثم ينزلق فى الهوة الاستشراقية التى تبارك الاستعمار. وإدوارد سعيد يتسم فى هذا المنهج بالاتساق العلمىء فإذا أاحس أنه يوشك عضا أن يقع فيما وقع فيه البعض من الشطط أو المبالغة سارع بالاستدراك ولذلك يشيع فى كتابته أسلوب الاستدراك» ويشيع التحرز فى القول» ولن يخفى على قارئ النص العربى ولع الكاتب بادوات التحرز المعروفة مثل يكاد“ وا ن ا وا ولف اترات ال متدرا هل لکن ولو آنه“ و إن كان“ وما إليهاء إلى جانب اسلوب المقارنة بدلا من التعابير المطلقة» ولجوؤه إلى النسبية من دلائل التحرز فى القول أيضًاء ومن دلائل الحرص على الحفاظ على النهج العلمى لكتاب تدف بين جوانحه روح إنسان أولا وعربی أو شرقی انيا وباحث ”إنسانى“ فى آخر المطاف .

والاتساق العلمى فى المنهج یرتہط بالاتساق الفکری» كما يبين سيد البحراوى فى دراسته الشهيرة للمنهج» أى إن إدوارد سعيد يدين - إلى حد ما - فى اتساق منهجه العلمى إلى الاتساق فى موقفه الفكرى» وهو الموقف الذى أجاد التعبير عنه فى المحقف والسلطة )۱۹۹٤(‏ وسبقت لى ترجمته (القاهرة )٠١ ٠٠٠١‏ بل إننا نلمح هذا الاتساق على درب النقد الثقافى فى كتاب لا أظن آنه اجتذب قراء كثيرين فى الوطن العربى لأنه يعالج الموسيقى البوليفونية» وعنوانه تنويعات موسيقية (۱۹۹۱) ويعتمد فيه سعيد على خبرته الخاصة فى العزف على البيانو فهو من المشهود لهم بالبراعة فى هذا المجالء ويعيد فيه تأكيد مذهبه الذى يقول فيه بوجود الإطار الاجتماعى المحتوم حتى لعازف البيانو الذى يتجاوز المجتمع ظاهريا فى عزفه لكنه محكوم فى الواقع بهذا المجتمع وإن لم يكن واعيًا كل الوعى بذلك. وسعيد يدلل على صدق قضيته بأمثلة من حياة عازف البيانو الشهير والمفكر اللامع جيرالد جولد وغيره» وقد وصف بعض النقاد فى الغرب هذا الكتاب بأنه ثل خروجا على مذهب إدوارد سعيد أو منهجه» وليس ذلك بصحيح فالكتاب يلتزم بالمذهب التكاملى وإن كان يتحدث عن الموسيقى» فأنا أعرف من خبرتى الخاصة

س تصدير ۾

آ

| بالموسیقی - کما ذکرت فی تصدیری لترجمة تغطية الإسلام -- مدی ارتباط

ذلك الفن با مجتمع وبالثقافة بصفة عامة» وذهن إدوارد سعيد الوقاد يأتى بتحليلات تجريدية مذهلة للحدود التى يتقيد بها فن الصنعة أو التقنية الخالصةء وهو يذكرنا فى هذه التجريدات بطاقته على التفكير الفلسفى الذى يشيع فى جوانب الاستشراق .

وفیما بین کتاب إدوارد سعيد عن چوزيف كونراد )۱۹٦7١(‏ وبين الطبعة الثانية للاستشراق ۱۹١۹١‏ أصدر سعيد عدة كتب عرضت لبعضها ولم أعرض للبعض الآخر» ومن أهم هذه الكتب كتابه الذى وَطَدَ بلا جدال مكانته فى عالم النقد الأدبى وهو العالم والنص والناقد (۱۹۸۳) وهو يضم مقالات نقدية منخصصة بالغة الأهمية» ثم تأتى كتبه عن القضية الفلسطينية لا فى المرتبة الثانية بل فى نطاق آخرء أو قل فى الإطار الآخر الذى يطبق فيه المنهج الإنسانى الذى وصفته على دراسة بعض المسائل التى كانت تعتبر سياسية محضة فاحالها سعيد إلى قضايا ثقافية سياسية » مثل كتاب المسالة الفلسطينية (۱۹۷۹) وكتاب سياسات السلب والتجريد: كفاح الفلسطينيين فى سبيل تقریر المصیر )۱۹۹٤( ۱۹۹٤ - ۱۹۹٩‏ وتاب القلم والسیف (٤۱۹۹)ء‏ لکننی لا استطیع آن آخوض فی الحدیث عن آی من هذه الكتب فى تصديرى لكتاب الاستشراق» ولن يريد الإلمام بمنهج هذا المفكر العظيم فيها جميعا أن يطلع عليه فيما كتبه عن المثقف والسلطة فى الكتاب الذى ترجمته له بهذا العنوانء بل سوف يجد المبادئ الأساسية لهذا المنهج فى مقدمة المؤلف للكتاب الحالى .

سبق لى أن تحدثت عن التزامى بعلامات الوقف والوصل (الترقين) المعترف بها فى العربية المعاصرة» والتزامى بالأقواس التى يستخدمها إدوارد سعيد» إلى جانب الشرطتين» فى فصل الجمل أو الكلمات الاعتراضية عن السياق الرثيسى للجملةء فهذه من وسائل التفاوت فى النغمة أو فى النبرةء كما التزمت إلى جانب ذلك بعلامات التنصيص الواردة عنده كلها إذا كانت مزدوجة» واستخدمت علامات تنصيص مفردة لما أردت تبيانه من المصطلحات

تصدير

33 |

العربية التى قد تبدو غير مألوفة للقارئ العربى فى السياق الذى يستخدمها فيه المؤلف» وأما كتابة الأسماء الأجنبية فقد حاولت فيها قدر الطاقة مراعاة الرسم العربى للاسم للنطق الشائع عنه فى لغته» باستثناء بعض الأسماء التى شاعت فى العربية دون أن تتفق تماما مع النطق الأصلى مشل لويس التى قد تكون (اسء1) أو لُوى (كااه]) فنحن نشير إلى ملوك فرنسا من حملة الاسم الاخیر باسم لویس» حتى لا يظن القارئ آننى آشير إلى اسم شخص آخر .

ویتبقی لی فی هذا التصدیر آن عرب عن شکری وتقدیری لکل من مَد لى يد العون فى العمل بالترجمة والمراجعة وتصحيح التجارب الطباعية » وأبداً بالمترجم القدير محسن زيدان الذى رافقنى فى هذا العمل فى النصقف الأول کله من عام ۰۲۰۰٠‏ فکان يقرا بانتظام کل جزء آنتهی من ترجمته» وقد يقترح اقتراحًا آخذ به فى الصياغة أيضًاء وكذلك الكاتب والمترجم الفذ أحمد صليحة» الذى يعمل. حاليًا فى الأمم المتحدة» فى نيويورك الذى آعاننى فى بعض الترجمات عن الفرنسية» والأستاذة الدكتورة منى إبراهيم› الأستاذة فى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة» التى قرأت المخطوط كله قبل الطباعة ولفتت نظرى إلى ما قد يحتاج إلى تعديلء فلهم منى جزيل الشكر والتقدير .

وأود أن أعرب عن امتنانى الخاص للصديقة العزيزة الأستاذة الدكتورة أمينة رشيد الناقدة الجليلة ورئيسة قسم اللغة الفرنسية سابقًا بجامعة القاهرة» لتفضلها بمراجعة جميع الترجمات الواردة فى الكتاب عن اللغة الفرنسية وهى كثيرة» وكذلك للصديقة العزيزة الأستاذة الدكتورة منى أبو سنة» المفكرة والباحثة الجادة» والأستاذة فى جامعة عين شمس. لتفضلها بمراجعة جميع الترجمات عن الالمانية .

وآخيرا ولیس آخرا قطعا لابد آن أسجل بالعرفان شكرى لصديق العمرء العلامة والناقد والأديب الدكتور ماهر شفيق فريدء الأستاذ فى قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرةء فهو حجة هذا الجيل فى الدراسات الأدبية

. تصدیر م س

£ والنقديةء ولم بيبحل على يومًا بمراجعة ما أطلب إليه مراجعته من تاليف آو ترجمةء فلقد تفضل بقراءة اللخطوط وأشار إلى ما يحتاجه من تدارك أو تعديل أو تصويب» فله منى صادق الشكر والامتنانء وخصوصاً لتشجيعه لى على المضى فى الترجمة وتحمل مشاق هذا النص العسير . وبعد فأرجو أن أكون قد حققت ما أصبو إليه من إخراج نص عربى يجمع بين الدقة والوضوح فى نقل فكر هذا المغكر العربى العالمى» وفاءً بحق القارئ العربی فی هذا الجیل فی کل مکان فی أن يطلع على ثمار قریحته فى هذا الكتاب ‏ العمدة“ » وما دفعنى إليه إلا إحساسى بحق القارئ العربى وحق إدوارد سعيد فى أن يقرا كتابه بيسر وسهولة . محمد عنانی القاهرة - ٠٠٠٠٦‏

س تصدير

إلى چانیت وإبراهيم

شکروتقدیر

ت

قضيت عدة سنوات أقرأ عن الاستشراق» ولكننى كتبت معظم هذا الكتاب فى العام الدراسى ١1۹۷1-۱۹۷ء‏ وهو العام الذى قضيته زميلاً فى مركز ستانقورد للدراسات العليا فى العلوم السلوكية فى كاليفورنيا. وقد أسعدنى الحظ » فى هذه المؤسسة الفريدة والكرية» لا بالاستفادة الممتعة فحسب من عدة زملاء بل أيضًا با تلقيته من عون من چوان وورمبران» ومن کریس هوث» ومن چین کیلمایر» ومن پريستون کنر ومن مدير المركز جاردنر لينزى . وأما قائمة أسماء الأصدقاء والزملاء والطلاب الذين قرأوا أو استمعوا إلى أجزاء من المخطوط أو المخطوط كلهء فهى قائمة طويلة إلى الحد الذى يسبب لى حرجًاء وقد يسبب الآن بعد نشر الكتاب أخيرًا حرجا لهم كذلك. ومع ذلك فلابد أن أسجل امتنانى للتشجيع الذى تلقيته من. انيت وإبراهيم أبو غد ونعوم تشومسكى» وروجر أووين» وهو التشجيع الذى كان عونًا دائمًا لى» إذ تابعوا هذا المشروع من بدئه إلى منتهاه. ولابد أن أذكر بالتقدير والامتنان أيضًا ذلك الاهتمام المفيد والنظرات النقدية التى أبداها الزملاء والأصدقاء والطّلاب فى أماكن شتى» فلقد أدت أسئلتهم ومناقشاتهم سشکر وتقدیر :

i

إلى شحذ حدٌ النص بدرجة كبيرة. وأما أندریه شيفرين وچين مورتون» من دار نشر پانثيون بوكس فكانا مشلا عليا للناشر والمحرر على الترتيب» فشا شيت كه إفدا الط رهي نة امرف غل الائر) عملا یتسم بذکاء آصیل وتعلّمت منه ما تعلمت. وساعدتنی مریم سعید کثیرا ببحوثها فى بواكير تاريخ المؤسسات الاستشراقية الحديثة > ولكن؛ إلى جانب ذلك» كان الدعم الذى قَدمته بدافع ا لحب سببًا لا فى استمتاعى فقط بالعمل فی هذا الکتاب بل آیضًا فی قیامی به أصلاً .

. و. س. نيويورك سبتمبر / أکتوبر ۱۹۷۷

۾ شکر وتقدیر س

E

زار صحفى فرنسى مدينة بيروت فى آثناء الحرب الأهلية الرهيبة فى عامی ۱۹۷١‏ - ١۱۹۷ء‏ وعندما شاهد الخراب الذى حل فى وسط المدينة كتب يعرب عن أسفه قائلاً إن المنطقة ”كان مظهرها يوحى فى يوم من الأيام بانها تنتمی إلى الشرق الذى وصفه کل من شاتوبريان ونيرثال““ فى مطلع القرن التاسع عشر. وكان» بطبيعة الحال» مصيبًا فى وصفه للمكان فى حدود النظرة الأوروبية. فلقد كان الشرق شبه اخحتراع أوروبى» وكان منذ الزمن الخابز مانا لاسي آي فمن الب رامرات والكانات اتر ية والذكريات والمشاهد التى لا تنسى» والخبرات الفريدة الرائعة» وكان الشرق آنذاك فى طريقه للاخحتفاء» بل ربا كان من زاوية معينة قد اختفى بالفعل وأصبح ينتمى للماضى الذى باد وانقضى عهده. وربا لم ير الصحفى أن الشرقيين أنفسهم يهمهم ما حدث. وأنهم كانوا يقيمون فى هذا المكان حتى فی زمن شاتوبريان ونيرفال ٠‏ وأنهم هم الذين يتعرضون للمعاناة» فلم يكن يعنى الزائر الأوروبى إلا الصورة الأوروبية التى تمثل الشرق وما آلت إليه خر اة

r

الآن» وكانت تلك الصورة ومصيرها يتمتعان بدلالة مشتركة ومتميزة فى عيون الصحفى وقرائه الفرنسيين.

أما الأمريكيون فلن يخامرهم ذلك الإحساس نفسه إزاء الشرق»ء بل الأرجح أن يرتبط الشرق فى أذهانهم بصور بالغة الاختلاف» أى بصور الشرق الأقصى (وخحصوصًا صور الصين واليابان). ويختلف البريطانيون والفرنسيون عن الأمريكيين» كما يختلف - ولو إلى درجة أقل - الألمانيون والروسيون والإسپانيون والبرتغاليون والإيطاليون والسويسريونء فى أن للبريطانيين والفرنسيين تقاليد مديدة فيما سوف أطلق عليه تعبير الاستشراق وأعنى به التفاهم مع الشرق بأسلوب قائم على المكانة الخاصة التى يشغلها هذا الشرق فى الخبرة الأوروبية الغربية. فليس الشرق وحسب مجاورا لأوروباء بل إنه أيضًا موقع أعظم وأغنى وأقدم المستعمرات الأوروبيةء وهو مصدر حضاراتها ولغاتهاء ومنافسها الثقافى» وهو يثل صورة من أعمق صور الآخر وأكثرها تواترًا لدى الأوروبيين. أضف إلى ذلك أن الشرق قد ساعد

" الققذدمة

44 3 فى تحديد صورة أوروبا (أو الغرب) باعتباره الصورة المضادة» والفكرة والشخصية والخبرة المضادة. ومع ذلك فلا يعتبر أى جانب من جوانب هذا الشرق محض خيال» فالشرق جزء لا يتجزأً من الحضارة المادية والثقافة الأزررتة والاس راق م عن ا ااب وه تاا جل وكيا باعتبار الاستشراق أسلوبًا ”للخطاب“٠‏ أى للتفكير والكلام» تدعمه مؤسسات ومفردات وبحوث علمية» وصور»ء ومذاهب فكرية» بل وبيروقراطيات استعمارية وأساليب استعمارية . وفى مقابل ذلك يبدو فهم الأمريكيين للشرق أقل تصلبًا إلى حد كبير» ولابد أن مغامراتنا الأخيرة فى اليابان وكوريا والهند الصينية تعمل حاليًا على إيجاد وعى اقرب للتعقل والواقعية ”بالشرق“. كما إن التوسع فى الدور السياسى والاقتصادیى الذى تنهض به آمريكا فى الشرق الأدنى (الشرق الأوسط) يؤثر تأثيرا كبيرا فى فهمنا لذلك الشرق . وسوف يتضح للقارئ (ويزداد الوضوح فى الصفحات الكثيرة التالية) آننى أعنى بمصطلح الاستشراق عدة أمور يعتمد بعضها على بعض» وتبدو - فى رأيى - مترابطة . وأما أيسر التعريفات المقبولة للاستشراق فهو أنه مبحث أكاديى» بل إن هذا المفهوم لا يزال مستخدمًا فى عدد من المؤسسات الاكاديية» فالمستشرق كل من يعمل بالتدريس أو الكتابة أو إجراء البحوث فى موضوعات خاصة بالشرق» سواء كان ذلك فی مجال الأنثروپولو چيا أى علم الإنسان» أو علم الاجتماع» أو التاريخ»› أو فقه اللغة» وسواء كان ذلك يتصل بجوانب الشرق العامة أو الخاصة» والاستشراق إذن وصف لهذا العمل. ومن الصحيح آن الاستشراق مصطلح لم يعد يتمتع با لحظوة القدية› فالتخصصون يفضلون استخدام مصطلح الدراسات الشرقية أو مصطلح دراسات المناطق» لسببين» السبب الأول هو أنه يتسم بقدر. أكبر ما ينبغى من الغموض والتعميم» والثانى هو أن من ظلال معانيه الإيحاء بالاستعلاء الذى كان المديرون الأجانب يتسمون به فى عهد الاستعمار الأوروبى فى القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. ومع ذلك فما رالت الكتب تكتب وما زالت المؤتمرات تعقد حول ”الشرق“ باعتباره الموضوع الرئيسى» وهى التى

الققدمة

45

تقيم حججها على ما قاله المستشرقون القدماء أو المحدثون باعتبارهم موضع الثقة. ومعنى هذا أن الاستشراق»ء حتى ولو لم يكتب له البقاء بالصورة القدمةء لا يزال حًا فى الحياة الأكاديية من خلال ما أرساه من مذاهب وقضايا فكرية بشان ”الشرق“ و”الشرقى" .

ولكن للاستشراق معنى أعم وأشمل» يتصل بهذه التقاليد الأكادييةء وهى التى يرصد هذا الكتاب» إلى حد ماء أقدارها وهجراتها وتخصصاتها وآحوال بثهاء فالاستشراق اسلوب تفكير يقوم على التمييز الوجودى والمعرفى بین ما يسمی ”الشرق“ » وبين ما يسمى (فى معظم الأحيان) ”الغرب“ وهكذا فإن عددا بالغ الكثرة من الكتاب - من بينهم شعراء» وروائيون» وفلاسفة» وأصحاب نظريات سياسية» واقتصاديون» ومدیرون إمپرياليون - قد قبلوا الستمييز الأاساسى بين الشرق والغرب باعتباره نقطة انطلاق لوضع نظريات مفصلة» وإنشاء ملاحم» وكتابة روايات» وأوصاف اجتماعية› ودراسات سياسية عن الشرق» وعن أهله وعاداته» وعن ”عقله“ ومصيره» وهلم جرًا. وهذا اللون من الاستشراق قد يضم ايسخولوس» مثلاء وٹكتور هوجو» ودانتی وكارل ماركس. وسوف آتناول فى مرحلة لاحقة من هذه المقدمة المشكلات المنهجية التى يصادفها الباحث فى مثل هذا ”لمجال“ الذى يتسع لشتى التفسيرات .

والتبادل القائم بين المعنى الأكاديمى للاستشراق والمعانى التى تعتبر خيالية إلى حد ما تبادل ثابت» وقد بدأات حركة التبادل الكبيرة والمنعظمة - بل والقائمة أحيانًا على نظم ثابتة - بين هذين المعنيين منذ أواخر القرن الثامن عشر. وهنا آتى إلى المعنى الثالث للاستشراق» وهو معنى يستند فى تعريفه إلى عناصر تاريخية ومادية أكثر ما يستند المعنيان الآخران. فإذا اعتبرنا أواخر القرن الثامن عشر نقطة انطلاق عامة إلى حد بعيدء استطعنا أن نناقش ونحلل الاستشراق بصفته المؤسسة الجماعية لللتعامل مع الشرق - والتعامل معه معناه التتحدث عنهء واعتماد آراء معينة عنه» ووصفه» وتدريسه للطلاب» وتسوية الأوضاع فيه» والسيطرة عليه: وباختصار بصفة الاستشراق أسلوبًا غريًا

0 اللقدمة وچ

10 | للهيمنة على الشرق وإعادة بنائه» والتسلط عليه. وقد انتفعت هنا بالفكرة التی طرحها میشیل فوکوه عن الخطاب“ ٠‏ على نحو ما عرضها فی کتابه علم آثار المعرفة وفى كتابه الآخر التنأديب والعقاب. فى تحديدى لعنى الاستشراق . والحجة التى أطرحها تقول إننا ما لم نفحص الاستشراق باعتباره لونًا من ألوان ”الخطاب“ فلن نتمكن مطلقا من تفهم المبحث البالغ الانتظام الذى مك الفقافة الأوروبية من تدبير أمور الشرق - بل وابتداعه - فى مجالات السياسة وعلم الاجتماع» وفى المجالات العسكريةء والاأيديولوجية› والعلمية» والخياليةء فى الفترة التالية لعصر التنوير. ولقد بلغ من توطيد مكانة الاستشراق أن أحدًا لم يكن يقدم على الكتابة أو التفكير أو اتخاذ أى إجراء بصدد الشرق دون أن يأخذ فى حسبانه القيود التى يفرضها الاستشراق على الفكر والعمل. وموجز القول إن الشرق لم يكن» بسبب الاستشراق» مجالا لحرية الفكر أو العمل (ولا يزال الأمر كذلك). وليس معنى هذا أن الاستشراق هو الذى يحدد من جانب واحد ما يمكن أن يقال عن الشرق› ولكنه يعنى أننا نواجه شبكة كاملة من المصالح التى تتدخل (وهى لذلك تشارك دائمًا) فى أى مناسبة تتعلق بذلك الكيان الغريب الذى يسمى ”الشرق“. وأما الأساليب التى يجرى بها ذلك فهى ما يحاول هذا الكتاب أن يعرضه ويشرحه. وهو يحاول أن بين آيضنًا كيف زادت الثقافة الأوروبية من قوتها ودعمت هويتها من خلال وضعها لذاتها فى مقابل الشرق باعتبارها ذانًا بديلة أو حتى دفينة . ويختلف الارتباط الفرنسی البریطانی بالشرق الحتلافا كميا وكيفيًا - من الناحيتين التاريخية والثقافية - عن ارتباط أى دولة أوروبية أو أمريكية وذلك حتى بزغ نجم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية . والحديث عن الاستشراق إذن يعنى الحديث أساسًا عن المشروع الثقافى البريطانى والفرنسى» وإن لم يكن ذلك مقصورًا عليه» وهو مشروع ذو أبعاد متفاوتة تضم من الأصقاع ما يتفاوت تفاوت الخيال نفسه» ويشمل الهند بأكملها وبلاد الشامء ونصوص الكتاب المقدس وما ورد ذكره فيها من أراض» وتجارة التوابل›

س الققدمة

والجيوش الاستعمارية والتقاليد المديدة التى أرساها المديرون الاستعماريون» والمناهج والمواد الدراسية» وأعدادا لا تحصى من ”خبراء“ الشرق و”العاملين“ به» وكراسى أساتذة ”الشرق“ » والمجموعة المنوعة والركبة من الأفكار الخاصة بالشرق (الاستبداد الشرقى» بهاء الشرق وروعته» ونزوعه للقسوة واللذة الحسية) والكثير من الطوائف الشرقيةء والفلسفات وآلوان الحكمة الشرقية التى طَوعها الناس لتلائم الحياة الأوروبية - ولنا أن نسترسل فى هذه القائمة حتسى ما تبدو لها نهاية. وما آقوله هو إن الاستشراق قد نشا نتيجة علاقة التقارب الخاص بين فرنسا وبريطانيا من ناحية» وبين الشرق من ناحية أخحرى» وكان الشرق ينحصر معناه الفعلى حتى العقود الأولى من القرن التاسع عشر فى الهند والأراضى المذكورة فى الكتاب المقدس . ومنذ بداية القرن التاسع عشر وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية كانت لفرنسا وبريطانيا السيطرة على الشرق والاستشراق» وأما منذ انتهاء هذه الحرب فأمريكا هى التى تسيطر على الشرق وتتبع فى ذلك المنهج الذى كانت تتبعه فرنسا وبريطانيا ذات يوم. وهذا التقارب الذى نلمح فيه قوة مثمرة إلى حد هائل» ولو تجلى فيه التفوق النسبى لقوة الغرب (بريطانيا أو فرنسا أو آمريكا) هو الذى أخرج الكَّم الضخم من النصوص التى قول إنها استشراقية .

ولابد لى أن آقول فورًا إننى» على كثرة الكتب والمؤلفين الذين تناولتهم بالفحص» کان على آن استبعد عددا آخر آکبر بکثیر. ولگن نتن شه على قائمة شاملة للنصوص التى تتناول الشرق» ولا على عدد محدد بوضوح من النصوص والمؤلفين والأفكار التى تمثل مذهب الاستشراق» بل إننى اعتمدت على بديل منهجى مختلف - عموده الفقرى هوء بمعنى معين؛ مجموعة التعميمات التاريخية التى طرحتها فى هذه المقدمة - وأريد الآن أن اناقشها بالمزيد من التفصيل التحليلى .

0 الققدمة _—

م

كانت نقطة انطلاقى افتراض أن الشرق ليس من الحقائق القاصرة ذاتيًا فى الطبيعة بمعنى أنه لا يقتصر على كونه موجودا وحسب» مثلما لا يقتصر مفهوم الغرب على أنه موجود وحسب» وعلينا أن نأخذ مأخذ الجد الملاحظة الثاقبة التى أبداها فيكو والتى تقول إن البشر هم الذين يصنعون تاريخهم وإن ما يستطيعون أن يعرفوه محدود با صنعوه» وآن نطبق هذه الملاحظة على الحقاثق الجحغرافية» فندرك آن البشر هم الذين صنعوا ويصنعون المحليات“ والمناطق“ والقطاعات الجغرافية من أمثال ”الشرق“ و”الغرب“ فكل منهما کیان جغرافی ثقافی» ناهيك بکونه کیانًا تاریخْيًا . وهکذا فإن الشرق»› شانه فى هذا شأن الغرب نفسه» يشل فكرة لها تاريخ وتقاليد فكرية» وصور بلاغية» ومفردات جعلتها واقعا له حضوره الخاص فى الغرب وأمام الغرب . وهكذا فإن الكيانين الجغرافيين يدعمان بعضهما البعض» كما إنهما - إلى حد ما - يعكسان صور بعضهما البعض .

ولكن قولى هذا ليس مطلقًا ولابد أن أذكر عددا من الشروط المعقولة التى تحدد معناه» فمن الخطاء أولا وقبل كل شىء أن نستنتج منه أن الشرق کان فى جوهره فكرة أو ابتكارا لا مقابل له فى دنيا الواقع. وعندما قال دررائیلی فی روايته تانكريد إن الشرق ”حياة عملية“ كان يعنى آن الأذكياء من الشباب فى الغرب سوف يجدون أن اهتمامهم بالشرق قد تحول إلى عاطفة مشبوبة تبتلع كل ما عداهاء ويجب آلا يفهم من كلامه أنه يعنى أن الشرق لا يمل إلا حياة عملية للغربيين. فلقد وجدت (وتوجد) ثقافات وأمم تقع جغرافيا فى الشرق› وكل منها له حياة وتاريخ وعادات تتسم بواقع صلب آعظم من كل ما يكن أن يقال تعبيرًا عنه فى الغفرب» وهذا واضح»› ولا تعتزم هذه الدراسة عن الاستشراق أن تضيف شيئًا يذكر إلى هذه الحقيقةء إلا الاعتراف بصدقها ضمنيًا. ولكن ظاهرة الاستشراق التى أدرسها هنا ليس موضوعها مدى صدق الاستشراق فى تصوير الشرق ”الحقيقى“" » ولكن موضوعى الرئيسى هو الاتساق الداخلى للاستشراق والافكار التى آتى بها عن س القدمة

4) |

الشرق (كالقول بان الشرق ”حياة عملية) بغض النظر عن أى صدق أو كذب خ فى تصوير الشرق ””الحقيقى“ . والذى أرمى إليه هو أن ما يقوله دزرائيلى عن الشرق يشير بصفة أساسية إلى ذلك الاتساق المصطنع› أى إلى تلك الكوكبة المنتظمة من الأفكار باعتبارها الَعلَّمٌ البارز للشرق» لا إلى مجرد وجوده إذا استخدمنا تعبير الشاعر والناقد والاس ستيشنز.

ومن هذه الشروط ثانًا أنه من المحال تفهم الأفكار والثقافات والتاريخ أو دراستها دراسة جادة» دون دراسة القوة المحركة لهاء أو بتعبير أدق دون دراسة تضاريس القوة أو السلطة فيها. فمن المخادعة الاعتقاد بأن الخيال وحده قد فرض خلق صورة الشرق» أى جعله يتخذ الصورة التى رسمها المسمتشرقون. أو الاعتقاد بإمكان حدوث ذلك على الإطلاق. فالعلاقة بين الرت والفرق غلا فة وط ورات مشار م الم ارك ي ويدل عليها بدقة عنوان الكتاب الرائع الذى كتبه ك.م. پانيكار وهو آسيا والسيطرة الغربية"“ . ولم يكن سبب اكتساب الشرق للصورة التى رسم بها يقتصر على أن من رسموه اكتشفوا آنه يكن أن يصبح ”شرقيًا“ بالصورة الشائعة لدى الأوروبيين العاديين فى القرن التاسع عشر» ولكنه يتجاوزه إلى اكتشاف إمكان جعله كذلك أى إخضاعه لتلك الصورة الحديدة للشرق. ولا يكاد أحد يوافق على أن مقابلة الروائى الفرنسى فلوبير مع غانية مصرية هو الذى أخرج لنا نموذج المرأة الشرقية الذى امتد تأثيره واتسع نطاقه» ولكن هذه المرآة لم تتحدث مطلقًا عن نفسهاء ولم تصور قط مشاعرها أو تعر عن وها ار اروا ل ا هن الل دت بام ها وض ررهاء وان ن اجنبیًاء یتمتع بشراء نسبی وکان رجلا وهذه جميعًا حقائق تاريخية مکته من فرض سيطرته ومکنته لا من امتلاك كشك هانم جسدیا فقط بل آيضًا من التحدث باسمهاء وإطلاع قرائه على جوانب ”تمثيلها للمرأة الشرقية“ . والحجة التى أطرحها هنا هى أن موقع القوة الذى كان يحتله فلوبير إزاء كشك هانم لم يكن يمثل حالة فردية» بل إنه ثل بصدق نسق القوى النسبية بين الشرق والغرب» ويش الخطاب“ الخاص بالشرق الذى نشا بفضل موقع القوة المذكور.

. الققدمة

0

ويفضى بنا هذا إلى شرط ثالث وهو أنه من الخطاً افتراض أن هيكل الاستشراق لا يزيد عن كونه هيكلاً من الأكاذيب أو الأساطير وأننا إذا ذكرنا الحقائق لدحض هذه وتلك فسوف ينهار البناء وتذروه الرياح» وأنا أعتقد شخصيًا أن القيمة الكبرى للاستشراق تكمن فى كونه دليلاً على السيطرة الأوروبية الأمريكية على الشرق أكثر من كونه خطابا“ صادقا حول الشرق (وهو ما يزعمه الاستشراق فى صورته الأكاديية أو البحثية) ومع ذلك فعلينا أن نحترم ونحاول أن ندرك ما يتسم به خطاب“ الاستشراق من قوة متماسكة متلاحمة الوشائج» والروابط الوثيقة إلى أبعد حد بينه وبين المؤسسات السياسية والاققصادية الاجتماعية التى تمنحه القوة» وقدرته الفائقة على الاستمرار. وعلى كل حال» فإن أى مذهب فكرى يستطيع الصمود دون تغيير» واستمرار التمتع بمنزلة العلم الذى يتعلمه الناس (فى المعاهد التعليمية والكتب والمؤتمرات والحامعات ومعاهد تخريج العاملين بورارة الخارجية) منذ عصر إرنست رينان» فى فرنساء» فى أواخر الاأربعينيات من القرن التاسع عشر حتى الوقت الحاضر فى الولايات المتحدة» لابد أن يكون آقوى من مجموعة ادت وخ ول الارن فن ال ارزو ام ا ن الشرق» بل إنه كيان له وجوده النظرى والعملىء وقد أنشأه من أنشأه› واستثمرت فيه استشمارات مادية كبيرة على مر أجيال عديدة. وقد آدی استمرار الاستشمار إلى أن أصبح الاستشراق» باعتباره مذهبًا معرفيًا عن الشرق» شبكة مقبولة تسمح منافذها بتسريب صورة الشرق إلى وعى اقرخ ملا آفق كار ذلك الات رار تة ل ر فرك إلى مهدر حقيقى لاونتاج والكسب» إلى تكاثر الأقوال والافکار التى تتسرب من الاستشراق إلى الثقافة العامة .

السياسى» فالأول يعنى الهيئات الطوعية (أو قل العقلانية والبريئة من القسر على أقل تقدير) مثل المدارس»› والعائلات والنقابات» والثانی یعنی مژؤسسات الدولة (الجيش والشرطة والبيروقراطية المركزية) والتى تتولى السيطرة المباشرة

س الققدمة

بين أبناء الشعب . وسوف جد أن الثقافة حية عاملة داخل المجتمع المد حيث لا يتحقق تأثير الأفكار والمؤسسات والأشخاص u‏ السيطرة بل من خلال الرضى وفق تعبير جرامشى . وهكذا فإننا نرى فى أى مجتمع غير شمولى أن أشكالا ثقافية معينة تتغلب على غيرهاء مثلما نرى أن أفكارا معينة تتمتع بنفوذ أكبر من غيرهاء وقد أطلق جرامشى على شكل هذه الزعامة“ الثقافية لفظ الهيمنةء وهو مفهوم لا غنى لنا عنه فى إدراك حقيقة الحياة الثقافية فى البلدان الصناعية فى الغرب. ولقد كانت الهيمنةء أو فل النتيجة العملية المترتبة على الهيمنة الثقافية» هى التى كتبت للاستشراق استمراره وقوته اللذين يدور حولهما حديثى حتى الآن. وغالبًا ما يقترب الاستشراق ما يسميه دنيس هاى فكرة أوروبا ويعنى بها الفكرة الجماعية التى تحدد هويتنا ”نحن“ الأوروبيين وتفرق بينها وبين جميع ”الآخحرين“ غير الأوروبيين بل إننا نستطيع أن نقبول إن العنصر الرئيسى فى الثقافة الأوروبية هو على وجه الدقة الذى جعل تلك الثقافة مهيمنة داخحل أوروبا وخارجهاء أى فكرة الهوية الأوروبية باعتبارها هوية تتفوق على جميع الشعوب والشقافات غير الأوروبية. هذا إلى جانب هيمنة الأفكار الأوروبية عن الشرق» وهى التى تكرر القول بالتفوق الأوروبى على التخلف الشرقى» وهو القول الذى عادة ما يتجاهل إمكان وجود مفكر يتمتع بدرجة أكبر من الاستقلال أو التشكك وقد تكون له آراؤه المختلفة فى هذا الأمر.

ويعتمد الاستشراق فى وضع استراتيجيته» بأسلوب يتسم بالاتساق› على هذا التفوق المرن فى الأوضاع» ومعناه وضع الغربى فى سلسلة كاملة من العلاقات التى يكن أن تنشاً مع الشرق بحيث تكون له اليد العليا فى كل علاقة منها. ولاذا لا يكون الأمر كذلك» خصوصً فى الفترة التى بزغ فيها نجم أوروبا بزوعًا فذا منذ أواخر عصر النهضة إلى الوقت الحاضر؟ لقد حضر العلماء أو الباحثون أو المبشرون أو التجار أو الجنود إلى الشرق» أو فكروا فى أمر الشرق» لانهم كانوا يستطيعون الحضور إلى الشرقء أو التفكير فى الشرق» دون مقاومة تذكر من جانب الشرق. ففى الإطار العام لاكتساب

0 القدمة _—

2 امعرفة بالشرق» وتحت مظلة الهيمنة الغربية على الشرق فى الفترة التى بدآات فى أواخر القرن الثامن عشرء نشأت صورة مركبة للشرق» وأصبحت ملائمة للدراسة فى المعاهد العلياء وللعرض فى المتاحف. ولإعادة الصوغ فى وزارة الستعمرات وللاستشهاد بها نظريًا فى الأطروحات الخاصة بعلم الإنسان (الانشروپولوچيا) وعلم الأحياء (البيولوجيا) وعلم اللغة» ودراسات الأعراق والدراسات التاريخية عن الحنس البشرى والكونء إلى جانب الاستشهاد بنماذج منها فى النظريات الاقتصادية والاجتماعية للتنمية واللورة والشخصية الشقافية» وسمات الفرد الوطنية والدينية. أضف إلى ذلك أن الفحص الإبداعى للموضوعات الشرقية كان يستند بصورة شبه كلية إلى وعى غربى سائد» وهو الوعى الذى أفرر تلك الصورة المركزية للشرق التى لم يطعن فيها أحد» وكان ذلك أولا وفق أفكار عامة تحدد من هو الشرقى أو ماهو الشرقى» وبعد ذلك وفق منطق تفصيلى لا يخضع فحسب لحقائق الواقع الفعلى بل تمليه شتى الرغبات وضروب القمع والاستثمار والتوقعات . فإذا كنا نستطيع الإشارة إلى بعض الأعمال الاستشراقية العظيمة القائمة على البحوث الأصيلةء مثل المنتخبات العربية التى وضعها سلفستردى ساسى» أو کتاب وصف آخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم الذى كتبه إدوارد وليم لين فعلينا أيضًا آن نذكر أن الأفكار العنصرية لدى رينان وجوبينو قد آملتها نفس النزعة» مثل عدد كبير من الروايات الإباحية التى كتبت فى العصر الفكتورى آى فى الفترة ۱۸۳۷ - ۱۹١١‏ (انظر التحليل الذى يقدمه ستيشنز ماركوس لا يسمیه ”التركى الشهوانى“)0.

ومع ذلك فعلينا أن نطرح على أنفسنا مرارًا هذا السؤال: أى الأمرين آهم فى الاستشراق؟ الأمر الأول هو مجموعة الأفكار العامة التى تتجاهل كمية المادة العلمية المتاحة - ومن ذا الذى ينكر أن هذه المادة تتخللها أفكار التفوق الأوروبى» وشتى آلوان العنصرية» والإمپرياليةء وآشباه ذلك» وكذلك الأفكار المتصلبة عن ”الشرقى“ بصفته لونًا من ألوان التجريد الخالى الذى لا يتغير - والأمر الثانى هو الأعمال البالغخة التنوع والتى كتبها عدد لا يكاد

المقسسدمة

-

يحصى من المؤلفين المتميزين الذين نستطيع آن نعتبرهم نماذج فردية للمؤلفين | الذين تناولوا الشرق» والواقع» من زاوية معينة » أن البديلين» العام منهما والخاص» يثلان منظورين للمادة نفسهاء ففى كاتا الحالتين عليتا أن نتناول الرواد فى هذا المجال مثل وليم جونز» المستشرق البريطانى ابن القرن الثامن عشر»ء وكبار الفنانين مثل نيرقال» الشاعر الفرنسى ابن القرن التاسع عشر» ومعاصره فلوبير» الروائى الفرنسى . ول اذا يتعذر استعمال المنظورين معاء أو أحدهما بعد الآخحر؟ أفلا يتجلى خطر تشويه الحقيقة (من نوع ذلك التشويه نفسه الذى اتسمت به مذاهب الاستشراق الأكاديية على الدوام) إذا التزمنا بصورة منتظمة بمستوى فى الحديث أشد تعميمًا أو تخصيصًا ما ينبغى؟

تنحصر مخاوفى فى أمرين: الستشويه وعدم الدقةء أو بالأحرى ذلك اللون من عدم الدقة الذى ينتج عن التعميم القائم على الجمود المذهبى المبالغ فيه» آو عن التركيز على حالات فردية استنادا إلى المنطق الوضعى وحده. ولقد حاولت» عند محاولة التصدى لهذ المشكلةء أن اتتاول ثلاثة جوائب من واقعى الشخصى المعاصر» وهى الجوانب التى ظهر لى آنها تمشل المخرج من الصعوبات الخاصة بالمنهج وبالمنظور» وهى التى أناقشها هناء» وهى صعوبات قد ترغم المرء ولا على كتابة موضوع جدلى فظٌ يتسم بمستوى من التعميم المفرط وغير المقبول» بحيث يصبح بذل الجهد فيه غير مجد» وقد ترغمه انيا على كتابة سلسلة من التحليلات التفصيلية والفردية المبالغ فى حصوصيتها إلى الحد الذى يعمى عينيه تماما عن الخطوط العامة التى تسير فيها القوى المحركة فى هذا المجال» وهى التى تمنحه قوته الخاصة. كيف نستطيع إذن إدراك الصفات الفردية والتوفيق بينها وبين السياق الفكرى العام المهيمن› وهو أبعد ما يكون عن السلبية أو الاستبداد وحسب؟

(¥)

أشرت إلى ثلاثة من جوانب واقعى الشخصى» ولابد لى من شرحها ومناقشتها مناقشة موجزة حتى يتضح للقارئ كيف اهتديت إلى هذا المنهج المحدد فى البحث والكتابة.

ع الققدمة م س

54

] 1- التمييزبين المعرفة البحتة والعرفة السياسية

من أيسر اليسير القول بان معرفة الشاعرين شيكسپير أو وردزورث معرفة غ سنام وان فة الين الحاض أو الاهاة النبوفي مخرفة سياس : والصفة الرسمية والمهنية التى يتصف بها عملى هى صفة ”دارس العلوم الإنسانية““ ٠‏ وهو لقب يعنى أن العلوم الإنسانية هى مجال تخصصى ومن ثم ينفى وجود آى طابع سياسى لعملى فى هذا المجال» وبطبيعة الحال فإننى أستعمل هنا جمیع هذه العناوين والمصطلحات دون الإيحاء بأى ظلال معان لهاء ولكننى أعتقد أن عامة الناس يؤمنون بصحة ما أشرت إليه. ومن أسباب القول بأن دارس العلوم الإنسانية الذى يكتب عن الشاعر وردزورث أو أن محرر المجلة الأدبية المتخصص فى الشاعر كيتس لا شأن له بالسياسة هو أن ما يفعله ليس له تأثير سياسى مباشر فى الواقع بالمعنى المعتاد لهذا التعبير . وأما الباحث المتخصص فى الاقتصاد السوفييتى فإنه يعمل فى مجال مشحون إلى أقصى درجة» والحكومة تبدى اهتمامًا كبيرًا به» كما إن ما ينتهى إليه من دراسات أو مقترحات قد يستعملها راسمو السياسات» ومسئولو الحكومة› والاقتصاديون العاملون بالمؤسسات. وخبراء الاستخبارات. ولنا أن نوسع من نطاق التمييز بين ”دارسى العلوم الإنسانية““ وغيرهم من تترتب على عملهم سياسات معينة» أو ممن يتسم عملهم بأهميته السياسية» إذا قلنا إن اللون الأيديولوجى للفئة الأولى ذو أهمية عارضة للسياسة (وإن كان من الممكن أن يكون بالغ الأهمية لزملائهم العاملين فى المجال نفسه» وقد يعترض البعض على توجه ستالينئ أو فاشئ أو مذهب ليبرالى بالغ التحرر عند أحدهم) وإن أيديولوجية الفغة الثانية مبثوثة بصورة مباشرة فى نسيج الادة التى تدرسها - بل إن العلوم السياسية وعلم الاقتصاد وعلم الاجتماع فى الدراسات الأكاديية الحديثة علوم أيديولوجية - ومن هنا كان العسليم بان دراساتهم دراسات "سياسية“ .

ومع ذلك فإن الشرط الحاسم الذى تصطدم به معظم آلوان المعرفة المنتجة فى الغرب المعاصر (وأنا أتحدث هنا بصةة أساسية عن الولايات المتحدة) هو

س الققدمة

55 أن تكون منزهة عن السياسة» بمعنى أن تكون علمية أكاديية محايدة» تعلو على مستوى المعتقدات المذهبية الحزبية أو ضيقة الأفق . وقد يكون من المحال على المرء أن يطعن فى هذا الطموح من الناحية النظريةء ولكننا نرى عند التطبيق أن الواقع الفعلى يثير مشكلات كبرى» إذ لم يهتد أحد قط إلى وسيلة تكن الباحث من عزل نفسه عن ظروف الحياة من حوله» أو من المشاركة (واعيًا أو دون وعى) فى طبقة من الطبقاتء أو مجموعة من المعتقدات› أو من الانشغال مركز اجتماعى أو حتى من مجرد عارسة حياته باعتباره عضوا فی مجتمع معین . ولا تتوقف هذه الاعتبارات عن التأثير فيما يفعله فى مهنته› حتى ولو كانت بحوثه ونتائجها تحاولء بطبيعة الحال» أن تصل إلى التحرر النسبى من العوائق النفسية ومن القيود التى يفرضها واقع الحياة اليومية الذى لا يرحم. ولا شك فى وجود معرفة أقل انحیازاء لا أكثر انحيازاء من الفرد الذى ينتجها (وهو الذى يتعثر فى شراك ظروف الحياة التى شت انتباهه)» ولكن هذا لا يعنى أن هذه المعرفة معرفة غير سياسية بصورة تلقائية . والتساؤل عما إذا كانت مناقشة الآداب أو فقه اللغات القدية تحمل دلالة سياسية أو تضم فى تضاعيفها دلالة سياسية مباشرة تساؤل عريض واسع النطاق حاولت معالحته ببعض التفصیل فی کتاب آخر أما ما یهمنی أن أبينه الآن فهو كيف يؤدى الاتفاق الليبرالى العام فى الآراء على أن المعرفة”الحقيقية“ معرفة غير سياسية فى جوهرها (أو كيف يؤدى العكس» أى القول بأن المعرفة السياسية السافرة معرفة ”غير حقيقية“) إلى تعتيم الظروف السياسية البالغة التنظيم التى أنتجت فى ظلها هذه المعرفة» مهما يكن ذلك التنظيم خفيًا. وا ع ی ای ت ا السياسى“ للحط من قيمة أى عمل تجاسر صاحبه على انتهاك أصول التظاهر بالموضوعية ”فوق السياسية“ . ولنا أن نبد بالقول» أولاء بان المجتمع المدنى يعترف بوجود درجات للأآهمية السياسية فى شتى مجالات المعرفة. ومصدر الأهمية السياسية التى يحظى بها مجال من المجالات يتمثل» إلى حد ماء» فى إمكان ترجمته ترجمة مباشرة إلى لغة الاقتصاد.

0 المقدمة _—

| ولکن الأهمية السياسية ترجع بدرجة أكبر› إلى مدی اقتراب ذلك المجال

من المصادر المؤكدة للسلطة فى المجتمع السياسى . وهكذا فمن المحتمل أن تقوم وزارة الدفاع الأمريكية بتكليف البعض بإجراء دراسة اقتصادية لإمكانيات الطاقة الطويلة الأجل فى الاتحاد السوفييتى» وآثارها بالنسبة لقدرته العسكريةء ومن ثم تكتسب هذه الدراسة لونًا من المكانة السياسية التى من المحال أن تحظى بها دراسة عن القصص الاولى التى كتبها تولستوى» الرواثى الروسى ابن القرن التاسع عشرء وقد تكون إحدى المؤسسات قد ساهمت فى تمويل الدراسة الأخيرة. ومع ذلك فإن كلتا الدراستين تنتميان إلى ما يعترف المجتمع المدنى بآنه مجال مماثل» أى الدراسات الروسية» حتى ولو كان أحد العملين قد أنجزه باحث اقتصادى من المحافظين المتشددين» والآحر قد قام به مؤرخ ادبی رادیکالی المیول. والذی آرم إلیه هنا هو ان روسيا“ باعتبارها موضوعا عامًا تتمتع بأولوية سياسية تجعلها تتجاور التمييز الدقيق بين التخصصات امختلفة» مثل ”علم الاقتصاد“ و”التاريخ الأدبى“ لان الملجتمع السياسى بالعنى الذى وضعه جرامشى يتد تأثيره إلى مجالات أخرى فى المجتمع المدنى مثل الحياة الأكاديية ويجعلها تتشبع بدلالات ذات أهمية مباشرة له.

لا أريد أن أواصل إقامة هذه الحجة على أسس نظرية عامة» إذ يبدو لى أننى أستطيع إثبات قيمتها ومصداقيتها إذا استشهدت بأمثلة محددة» ولاأسلك مثلا الطريق الذى سلكه نعوم تشومسكى فى دراسته للرابطة الفعالة بين حرب فيتنام وفكرة البحث العلمى الموضوعى على النحو الذى طبَقّت به فى تغطية الببحوث العسكرية التى ترعاها الدولة". ولا كانت بريطانيا وفرنسا - والولايات المتحدة أخيرًا - دولا إمپريالية» فإن مجتمعاتها السياسية تبث فى مجتمعاتها المدنية إحساسًا بالعجلة أو بان ثم مسالة ملحة» كأنما هو تشريب ایی ا إن ص هدا امیر کي تا وما كان لامر الى فنا ها الإمبريالية فى الخارج. وأشك فى وجود أى خلاف» مثلاء حول القول بان الإنجليزى الموجود فى الهند أو فى مصر فى أواخر القرن التاسع عشر كان

الققدمة

اهتمامه بهذين البلدين لا يبتعد قط عن صورتهما فى ذهنه باعتبارهما من ٠‏ المستعمرات البريطانية . وقد يبدو القول بهذا مختلمًا كل الاختلاف عن القول بان جميع المعارف الأكاديية عن الهند ومصر تحمل صبغة ماء أو طابعا ماء أو قل انتھاکا ما من جانب هذه الحقيقة السياسية الجحسيمة» ومع ذلك فإن هذا هو الذى أقول به فى هذه الدراسة عن الاستشراق. فإذا كان صحيحا أنه من المحال أن نتجاهل أو ننكر تأثر من ينتج أية معرفة فى مجال العلوم الإنسانية بظروفه الخاصة باعتباره ذانًا بشرية » فلابد أن يكون صحيحا كذلك أنه من الملحال إنكار تأثر الدارس الأوروبى أو الأمريكى للشرق بالظروف الرئيسية لواقعه الراهن: أى إنه يتصدى للشرق باعتباره أوروبيا أو أمريكيا أولاء وباعتباره فردا ثانيًا. وكونه أوروبيا أو أمريكيا فى مثل هذا الموقف لا يكن أن يكون حقيقة ‏ خامدة“ » إذ كانت هذه الحقيقة تعنى ولا تزال أنه على وعى ماء» مهما يكن هذا الوعى غائمًاء بأنه ينتمى إلى دولة ذات مصالح محددة فى الشرق» والأهم من ذلك أنه ينتمى إلى بقعة من بقاع الأرض ذات تاريخ محدد فى العلاقة بالشرق يكاد يرجع إلى زمن الشاعر هوميروس نفسه» قبل الميلاد. ولكن الصياغة الحالية لتلك الأحوال السياسية صياغة غير محددة وتتسم بالتعميم الشديد الذى يسلبها القدرة على إثارة الاهتمام» وقد يوافق عليها أى فرد دون أن يوافق أيضًا وبالضرورة على أنها كانت بالغة الأهمية» مثلاًء للروائی فلوبیر عندما کتب سلامبو أو للکاتب ه. آ. ر. چیب عندما كتب الاتجاهات الحديثة فى الإسلام. فالمشكلة أن الحقيقة الكبرى المهيمنة» بالصورة التى وصفتها بهاء تفضلها مسافة شاسعة عن تفاصيل الحياة اليومية التى تتحكم فى النظام الدقيق للرواية أو للكتاب العلمى أثناء كتابته . لكننا إذا استبعدنا من البداية الفكرة التى تقول إن الحقائق ””الكبرى“ مشل السيطرة الإمپريالية يكن تطبيةها بصورة آلية وحتمية على المسائل المعقدة مثل الثقافة والأفكار» فسوف نيدأ الاقتراب من لون طريف من ألوان الدراسة. والفكرة التى أطرحها هى أن الاهتمام الأوروبىء ثم الاهتمام الآمريكى» بالشرق كان اهتمامًا سياسيا وفق بعض الروايات التاريخية الواضحة له التى سبق لى س المققدمة ءاس

38

| إيضاحهاء ولکن الثقافة ھی التی أوجدت ذلك الاآهتمام وجعلت تمارس

تأثیرها جیا إلى جنب مع الدوافع العقلانية الأخرى» من سياسية واقتصادية وعسكرية» حتى جعلت الشرق يتخذ صورة المكان التنوع السمات والمعقدء وهى الصورة التى كان يبدو عليها بكل وضوح فى المجال الذى أدعره الاستشرا

وهکذا فلیس الاستشراق مجرد موضوع آو مجال سیاسی یتجلی بصورة سلبية فى الثقافة أو البحث العلمى أو المؤسسات؛ وليس أيضًا مجموعة كبيرة غير مترابطة من النصوص المكتوبة عن الشرق؛ بل تمثيلاً وتعبيرا عن مؤامرة إمپريالية ”غربية“ دنيئة تهدف إلى إخضاع العالم ”الشرقى“ . لا بل إنه الوعى الجغرافى السياسى المبثوث فى النصوص العلمية والاقتصادية والاجتماعية والتاريخية واللغوية؛ وهو تطوير تفصيلى ليس فقط للتمييز الجغرافى الأساسى (الذى يقول إن العالم ينقسم إلى نصفين غير متكافثين هما الشرق والغرب) بل أيضًا لسلسلة كاملة من المصالح“ التى يستعين فى تحقيقها والحفاظ عليها بشتى الوسائل مشل نتائج البحوث العلميةء وإعادة البناء اللغوى القديم» والتحليل النفسى» ووصف ضظرواهر الطبيعة والمجتمعات؛ وهو فى ذاته إرادة معينة أو نية معينة» أى إنه ليس مجرد تعبير عن الإرادة والنية» لتفهم ما يبدو بوضوح عالا مختلقًا (أو عا0Rًا‏ بديلاً وجديدا) وللسيطرة عليه فى بعض الأحيان والتلاعب به وضمه إليه؛ وهوء قبل كل شىء ”خحطاب“ لا يرتبط مطلقًا بعلاقة مباشرة بالسلطة السياسسية السافرة وموازية لهاء بل إن ذلك الخطاب“ يأتى إلى الوجود ويحيا فى إطار التبادل المتقلب مع شتى أنواع السلطة» فيتشكل إلى حد كبير من خلال مبادلاته مع السلطة السياسية (مثل المؤسسات الاستعمارية أو الإمبريالية) والسلطة الفكرية (مثل العلوم السائدة كاللغويات المقارنة أو التشريح» آو أى من العلوم السياسية الححديثة) والسلطة الشقافية (مثل المناهح ‏ الصحيحة؟ والمعتمدة للذوق والنصوص والقيم) والسلطة الأخحلاقية (مثل الأفكار الخاصة بجا نفعله ”نحن“ ولا يستطيعون ”هم“ أن يفعلوه أو يفهمره مشلنا ”نحن“ ) والواقع أن حجتى الحقيقية هى أن الاس ته ستشراق بعد مهم من ¿ أبعاد قافنا

س القدمة

54

السياسية الفكرية الحديثةء أى إنه لا يقتصر على ”تمشيل“ صورة هذا البعده | وبهذه الصفة نرى أنه يتصل بعالمنا ”نحن“ أكثر ما يتصل بالشرق .

ولا كان الاستشراق حقيقة ثقافية وسياسية فإنه ليس مجرد مادة تشغل مكانًا ما فى الأرشيف. فالعكس هو الصحيح» وأعتقد أنه يمكننا إثبات أن الأفكار أو الأقوال أو الأفعال الخاصة بالشرق تتبع مسارات متميزة واضحة نستطيع إدراكها فکریا (بل ود تقع أحيانًا داخل هذه المسارات). ونستطيع أن نرى هنا أيضًا الدور الكبير يقوم به التمييز بين المعانى والتفاصيل الدقيقة» على نحو ما يتبدى فى الموارنة بين ضغوط البنية الفوقية» وهى ضغوط عامةء وبين تفاصيل التأليف أو الحقائق النصية . وا أن معظم الباحثين فى العلوم الإنسانية مقتنعون كل الاقتناع بأن کک لف د سياق معين» وبان التتاصًَ حقيقة قائمةء وبأن ضغوط الأعراف» والأسلاف والأساليب البلاغية تحد ما أطلق عليه فالتر بنيامين تعبير ”إرهاق الُبدع باثقال أكبر من طاقته باسم. .. مبدا ”الإبداع وهو الذى يعنى الاعتقاد بأن الشاعر قد أخرج عمله وحده وبنفسه ومن ذهنه الخالص"". ونلمح مع ذلك معارضة من جانب من لا يقبلون التسليم بأن القيود السياسية والمؤسسية والأيديولوچية تحدث التأئير نفسه فى المؤلف الفرد. ودارس العلوم الإنسانية يعتقد أن أى مفسر لروايات بلزاك» الفرنسى ابن القرن التاسع عشر» سوف يجد طرافة فى حقيقة تأثر الكاتب. عندما كتب الكوميديا الإنسانية» بالصراع بين چیفروا سانت-هیلیر وبين کوفییر» ولکنه قد يشعر بان لونّا من الضغوط المماثلة» وهو ضغط الَلكية الرجعيةء بل المغرقة فى الرجعية» يحط - بصورة غامضة - من العبقرية الأدبية للكاتب ويجعله أقل استحقافا للدراسة الجادة. وعلى غرار ذلك - وعلى نحو ما يحاول هارى براكن إيضاحه دون كلل أو ملل - نرى الفلاسفة يجرون مناقشاتهم للفيلسوف لوك ابن القرن السابع عشرء وهيوم» ابن القرن الثامن عشرء وللمذهب الإمپيريقى أى التجريبى دون أن يأخذوا فى اعتبارهم على الإطلاق وجود رابطة سافرة فى كتابات هؤلاء الكّاب الكلاسيكيين بين مذاهبهم ””الفلسفية“ والتظرية النصضزية ٠‏ وتريرات ارسة الق أو حجح الدفاع عن الاستغلال ا ف سے ے ادخ کے

- الاستعمارى“. وليست هذه سوى بعض السبل الشائعة التى تسلكها الدراسات البحثية المعاصرة للحفاظ على نقائها .

وربا يكون من الصحيح أن معظم محاولات ”إهانة“ الثقافة بالزج بها فى حلبة السياسة كانت من قبيل التمرد الفظ والخروج عن المالوف دون ترو وربا يكون التفسير الاجتماعى للأدب فى مجالى الخاص قد عجز عن مسايرة التقدم التقنى الهائل فى التحليل الصى التفصيلى . ولكنه لابد من مواجهة الحقيقة » وهى أن القائمين بالدراسات الاأديية بصفة عامة وأصحاب النظريات الماركسية من الأمريكيين بصفة خحاصةء قد تحاشوا إلى الآن بذل الجهد اللازم لسد الفجوة جديا بين مسترى البتاء الفوقى ومستوى القاعدة فى البحوث النصية التاريخية؛ بل إننى ذهبت فى مناسبة أنحرى إلى القول بان المؤسسة الادبية الغقافية بصفة عامة قد أعلنت أن الدراسة الجادة للإمپريالية والثقافة منطقة محظورة"“ إذ إن الاستشراق يدفعنا إلى المواجهة المباشرة مع هذه المسألة - أى إدراك آن الإمپريالية السياسية تحكم مجالا كاملا من الدراسات والإبداع والمؤسسات البحثية - وبحيث يصبح تجنبها مُحَالا من الناحيتين الفكرية والتاريخية. ومع ذلك فإن آلية الهروب تظل قائمة على الدوام» وهى القول بأن الباحث الأدبى والفيلسوف» على سبيل المثال» قد تلقيا تعليمهما فى الأدب والفلسفة على الترتيب» لا فى السياسة والتحليل الأيديولوچى. وهكذاء وبتعبير آخر› تستطيع حجة الشخصص أن تحقق نجاحًا فعليًا فى الحيلولة دون إتاحة المنظور الأاشمل» وهو فى رأيى أشد خطراً من الناحية الفكرية .

ا ا على الأقل فيما يتعلق بدراسة الإمبريالية والثقافة (أو الاستشراق)» ففى المقام الأول نرى أن كل كاتب تقريبًا من كُتاب القرن التاسع عشر (شأنهم فى ذلك شان من سبقوهم) كان على وعى فذ بحقيقة الامبراطوريةء وهذا موضوع لم يحظ حتى الآن بالدراسة الجيدة» لكن المتخصص الحديث فى العصر الفكتورى لن يلبث أن يعترف بأن أبطال الشقافة الليبرالية مثل چون ستيوارت مل» الفيلسوف» وماثيو آرنولدء الشاعر والناقد» وتوماس كارلايل› الاديب

س الققدمة

n 3 والمفكرء وفرانسيس نيومان» المصلح الدينى» وتوماس ماكولى» المؤرخ؛‎ وجون رسكين» الناقد الفنى» وچورج إليوت» الروائية» بل وتشارلز ديكنز‎ نفسه» الروائى» كانت لهم آراؤهم المحددة بشأن الامتياز العنصرى‎ والإمبرياليةء ومن اليسير إدراك تأثيرهما فى كتاباتهم . وهكذا فلابد أن‎ يتصدى المتخصص نفسه للحقيقة التى أوضحها مل» مثلاء فى دراساته عن‎ الحرية ارعن الكومة النباية ون فرك إن آز لا تناج الط ى الهنة‎ (فلقد كان هو نفسه موظمًا فى وزارة الشثون الهندية فترة طويلة من حياته)‎ لن الھنود کانوا آدنی حضاریا وإن لم یکونوا آدنی عنصريا. ونستطیع أن نعثر‎ على هذه المغارقة نفها فى كتابات كارل ماركس» على نحو ما أحاول إثباته‎ فى هذا الكتاب. ونحن نرى ثاًا أن الاعتقاد بأن السياسة» فى صصورة‎ الإمپرياليةء تؤثر فى إنتاح الأدب والدراسة الأدبية والنظرية الاجتماعية وكتابة‎ التاريخ لا يعنى آن ذلك يحط من قدر الفقافة أو يهينها. فالعكس هو‎ الصحيح» وكل ما أرمى إليه هو القول بأننا سوف يزداد تفهمنا لظاهرة‎ استمرار ودوام مذاهب الهيمنة التى تنشبع بها النفوس» مثل الشقافة» عندما‎ ندرك أن القيود الداخلية التى تفرضها على الكتاب والمفكرين كانت مثمرة ولم‎ تكن فى ذاتها تعوقهم عن الإنتاج. وهذه هى الفكرة التى حاول إيضاحها كل‎ من جرامشى. المفكر الإيطالى» وفوكوه» الفيلسوف الفرنسى» ورايوند‎ ويليامز» المفكر البريطانى» وإن اختلفت سبل إيضاح كل منهم. والواقع أن‎ قراءة صفحة أو صفحتين عن ”وسائل الانتفاع بالامبراطورية"“ فى كتاب‎ الثورة الطويلة الذى وضعه ويليامز تفصح لنا عن الثراء الثقافى للقرن التاسع‎ . عشر أكثر ما تفصح عنه مجلدات كثيرة من التحليلات الَصية الُحكمة”‎ ومن ثم فإننى أدرس الاستشراق باعتباره صورة للتبادل آى التفاعل‎ الدينامى بين المؤلفين الأفراد والمشاغل السياسية الكبرى التى شكلتها‎ الإمبراطوريات العظمى الفلاث البريطانية والفرنسية والأمريكية - وهى التى‎ نبتت فى تربتها الفكرية والإبداعية كتاباتهم. وآما آشد ما یهمنی باعتبارى‎ باحئًا فلا يكمن فى الصدق السياسى الكلى بل فى التفاصيل» مثلما نجد آن‎ ما یھمنا فی کتابات کاتب مثل إدوارد لین أو جوستاف فلوبیر آو إرنست رينان‎ ال چ که‎

ا لا يكمن فيما يراه هو من الصدق المطلق لقولة تفوق الغربيين على الشرقيين›

بل فى الشواهد التفصيلية التى يطوعها ويتلاعب بها بحذق شديد فى المجال الفسيح الذى أتاحه له إيانه بصدق المقولة المذكورة» ويكفى لتفهم ما أقوله هنا آن نذکر آن کتاب أخلاق الملصريين المحدثين وعاداتهم الذى وضعه إدوارد لين أصبح عملا كلاسيكيًا باهرًا» با يسجله من دقة الملاحظات التاريخية والأُنشروپولوجية» بسبب أسلوبه» وبسبب تفاصيله الرائعة التى تنم عن ذكاء خارق» لا بسبب ما يتجلى فيه من الإحساس بالتفوق العنصرى .

وهكذا فإن آنواع الأسثلة السياسية التي يطرحها الاستشراق هى : ما أنواع الطاقات الأخحرى» الفكرية والحمالية والعلمية والثقافية التى شاركت فى تشكيل التقاليد الإمبريالية» مثل تقاليد الاستشراق؟ كيف شارك فقه اللغةء ووضع المعاجمء والتاريخ» والبيولوچياء والنظرية السياسية والاققصادية› وكتابة الروايات والشعر الغنائى فى خدمة رؤية الاستشراق للعالم وهى الرؤية التى تعتبر إمريالية بصفة عامة؟ ما التغيرات والتحويرات والتىشذيبات بل والثورات التى حدثت داخحل الاستشراق؟ وما معنى الأاصالة والاستمرار والنزعة الفردية فى هذا السياق؟ وكيف ينقل الاستشراق نفسه أو يتوالد من حقبة إلى حقبة؟ وفى النهاية » كيف نعالج ظاهرة الاستشراق» وهى ظاهرة ثقافية وتاريخية» باعتبارها ضربا من الجهد البشرى المتعمد - لا من التسلسل المنطقى وغير المشروط للأحداث - وبكل تعقيدها التاريخى وتفاصيلها وآهميتها دون أن تغفل عيونناء فى الوقت نفسه» عن التحالف القائم بين العمل الثقافى» والاتجاهات السياسيةء والدولة» وحقاثى السيطرة المحددة؟ وما دامت الدراسة تجرى فى العلوم الإنسانية وتحكمها هذه الشواغلء فإن لها أن تتصدى» بروح المسئولية» للسياسة والشقافة معا. ولكن هذا لا يعنى أن مثل هذه الدراسة تضع قواعد ملزمة عن العلاقة بين المعرفة والسياسة» ولكن حجتى تقول إن على كل بحث فى العلوم الإنسانية أن يصوغ الطابع الخاص لهذه الرابطة فى غضون السياق المحدد للدراسة» وموضوعها وظروفها التاريخية .

الققدمة

: المسألة المنهجية؛‎ -2

بذلت فی كتاب سابق قدرا كبيرا من التفكير وقدرا كبيرًا من التحليل للأهمية المنهجية لإيجاد وتحديد الخطوة الأولى للعمل فى العلوم اللإنسانيةء أو نقطة الانطلاق» أو المبدا الذى يهتدى به عند الشروع فى العمل" ولقد كان من الدروس الكبرى التى تعلمتها وحاولت تقديها للناس أنه لا يوجد ما يسمى بنقطة انطلاق جاهزة أو متاحة للجميع» بل لابد من إعداد البدايات اللازمة لكل مشروع بحيث تتح التوصل إلى مأ يترتب عليها وما يتبعها. ولم أخبَر واعيًا صعوبة هذه المسألة فى كل ما مررت به من خبرات (ولا أستطيع أن أحكم حقا على مدى نجاحى أو فشلى فى هذا) مثلما حبرت هذه الصعوبة فى دراستى الحالية للاستشراق»› إذ إن فكرة البداية» بل والابتداء نفسه يتضمن بالضرورة بذل جهد معين لوضع الحدود» ومعنى هذا اقتطاع جزء من كم هائل من المادة» وفصله عنهاء واعتباره يمثل البداية وأنه هو البداية كذلك. ومن أمشال هذا التحديد الافتتاحى عند دارسى النصوص فكرة الإشكالية التى وضعها لويس التوسير, الفيلسوف الفرنسى»ء وكان يعنى بها وحدة محددة ومقدرة من أحد النصوص أو من مجموعة من النصوص»› وتمثل أحد نواتج التحليل لها" . لكنه فى حالة الاستشراق (بخلاف نصوص ماركس. وهى التى يدرسها ألتوسير) لا تقتصر المشكلة على صعوبة العشور على نقطة انطلاق» أو على إشكاليةء ولكنها تتضمن أيضًا مشكلة تحديد النصوص والمؤلفين والفترات التى تصلح أكثر من غيرها للدراسة.

وقد بدا لی من الحمق آن أحاول سرد تاریخ موسوعی للاستشراق» أولاً لأنه لو كان المبدأ الذى أهتدى به هو ”الفكرة الأوروبية عن الشرق“ فلن يكون للمادة التى آلتزم بتناولها حدودء تقريبًاء وثانيًا لأن النموذج السردى نفسه لم يكن مناسًا لاهتماماتى الوصفية والسياسية؛ وثالئًا لأن لدينا بعض الكتب الكافية فى هذا الباب» مثل كتاب ريون شواب بالفرنسية عن النهضة الشرقية وكتاب يوهان فوك بالا انية عن الدراسات العربية فى أوروبا حتى مستهل القرن العشرين وأخيرا كتاب دوروثى ميتليتسكى بالإنجليزية عن

e: المققدمة‎ LJ

64

2 موضوع بلاد العرب فى انجلترا فى العصور الوسطى""“ وهى جميعًا أعمال موسوعية تتناول جوانب معينة من تاريخ التلاقى بين أوروبا والشرق» وكلها تحدد للناقد مهمة مختلفة» فى السياق السياسى والفكرى العام الذى سبق لى

وضع خحطوطه العامة . ومع ذلك فقد ظلت أمامى مشكلة تخفيض حجم المادة المتاحة والبالغة الضخامة إلى حجم تسهل معالجحته» والأهم من ذلك وضع الخطوط العريضة لما يشبه الترتيب الفكرى لمجموعة النصوص المختارة لا الالتزام بالتسلسل الزمنى دون خطة فكرية. ومن ثم كانت نقطة البداية عندى تتمشثل فى الخبرة البريطانية والفرنسية والأمريكية بالشرق» باعتبارها وحدة متماسكة» إلى جانب الخلفية التاريخية والفكرية التى أتاحت تكوين هذه الخبرة» وكذلك نوع وطابع هذه الخبرة. وللأسباب التى سوف أناقشها بعد قليل خفضت مجموعة المسائل المذكورة» بعد تخفيضها السابق (وإن كانت لا تزال بالغة الضخامة) وقصرتها على الخبرة الأنجلوفرنسية والأمريكية بالعرب والإسلام» وهما الموضوعان اللذان ظلا يمثلان الشرق معا على مدى ما يقرب من ألف عام. وما إن فعلت ذلك حتی وجدت اننی استبعدت» فیما یبدو» جانبًا کبیرا من الشرق - الهند واليابان والصين وغيرها من بلدان الشرق الأقصى - لا لأن هذه الأقاليم لم تكن مهمة (فلقد كانت مهمة بكل وضوح) ولكن لاننا نستطيع أن نناقش خحبرة أوروبا بالشرق الأدنىء أو بالإسلام» بمعزل عن خبرتها بالشرق الأاقصى. ومع ذلك ففى لحظات معينة من التاريخ العام لاهتمام أوروبا بالشرقء. تتعذر مناقشة مناطق معينة منه مثل مصر وسوريا وشبه المجزيرة العربية دون دراسة انشغال أوروبا وارتباطها بالمناطق القصوى أيضًا» وأهمها بلاد فارس والهندء وأشهر الحالات فى هذا الصدد حالة الربط بين مصر والهند بالنسبة لبريطانيا فى القرنين الثامن عشر والتاسعم عشر. وعلى غرار ذلك فقد شهدنا الدور الفرنسى البارز فى فك رمور زند-أفستا آى الكتاب المقدس للمذهب الزرادشتى باللغة الفارسية القدية» وسطوع نجم پاريس باعتبارها مركزا للدراسات السنسكريتية» أى اللغة الهندية القدية» فى

س الققدمة

العقد الأول من القرن التاسع عشرء ورأينا أن اهتمام ناپليون بونابرت بالشرق كان مرتبطا بإدراكه للدور البريطانى فى الهندء وكلها من أمور الشرق الأقصى التى آثرت تاثيرًا مباشرًا فى اهتمام فرنسا بالشرق الأدنى والإسلام والعرب.

وقد فرضت بريطانيا وفرنسا سيادتهما على منطقة شرق البحر المتوسط منذ نهاية القرن السابع عشر تقريبًاء ولكن مناقشتى لهذه السيادة وهذا الاهعمام قاصرة فى أمرين» () فهى لا تنصف المساهمات المهمة فى الاستشراق التى قدمتها الانيا وإيطاليا وروسيا وإسپانيا والبرتغال»ء (ب) وهى تقصر فى تناول الحقيقة التى تقول إن من أهم الدوافع على دراسة الشرق فى القرن الفامن عشر ثورة فى دراسات الكتاب المقدس» كان من ورائها رواد أثاروا الاهتمام لأسباب منوعة مثل الأسقف لووث» ومثل أيخهورنء وهیردر ومایکلیس. فلقد کان على فی المقام الأول آن احصر ترکیزی حصرا صارمًا فى المادة البريطانية-الفرنسية ومن بعدها المادة الأمريكية » بعد أن بدت لى حتمية صدق القول بان بريطانيا وفرنسا كانتا الدولتين الرائدتين فى الشرق والدراسات الشرقية» وإلى جانب ذلك نجد أن هذه المواقع الرائدة قد تحققت لهما بفضل آعظم شبكتين استعماريتين فى تاريخ ما قبل القرن العشرين؛ وأما الموقع الأمريكى فى الشرق منذ الحرب العالمية الثانية فقد نشأً - وأعتقد أنه اتسم بارتباك مؤكد - فى المناطق التى اكتشفتها الدولتان الأوروبيتان اللتان سبقتا إليها. أضف إلى هذا أيضًا أن جودة الكتابات البريطانية والفرنسية والأمريكية عن الشرق» واتساقها وضخامة حجمها يجعلها فى اعتقادى تتفوق على العمل الذى انجزته الانيا وإيطاليا وروسيا وغيرهاء رغم آنه عمل بالغ الأهميةء وإن كنت أظن أيضًا أنه من الصحيح القول بأن الخطوات الكبرى فى الدراسات الشرقية قد اتخذت أول ما الخدت إما فى بريطانيا أو فى فرنساء ثم زاد عليها وطورها الالمان. لقد کان ا ساسى» على سبيل الخال أول مستشرق أوروبى حديث ينتمى لمؤسسة محددةء ولقد بحث الإسلام والأدب العربى وديانة الدروزء وبلاد الفرس فى عصر الأسرة الساسانية› وكان إلى جانب ذلك معَلّما لشامبوليون وفرانتس بوپ» ومؤسسسًا لعلم اللغة

——- الققدمة‎ u

e المقارن فى الال مانية . ولنا أن نقر بالأولوية التى يتمستع بها أيضًا ولیم چونز‎ وإدوارد وليم لين وسطوع نجمهما بعد ذلك.‎

وفى المقام الشانى - وهنا أجد الكثير الذى يعوضنى عن الققصور الذى ذکرته فی دراستی للاستشراق - أجريت منذ عهد قريب دراسات مهمة عن دراسات الكتاب المقدس باعتبارها الخلفية التى نشا فيها ما أسميته بالاستشراق الحديث. وأفضل هذه الدراسات وأوثقها صلة بالموضوع وإيضاحًا له هى الدراسة التى كتبها آ.س. شافر فى كتابه الرائم ”قبلاى خان وسقوط أورشليم“' وهى دراسة لا غنى عنها لمن بريد أن يفهم أصول الرومانسية والنشاط الفكرى الذى يدعم الكثير ما نجده فى شعر كولريدج وبراوننحج وروايات إليوت ويعتبر عمل شافرء إلى حد ماء صورة أنقى تهتدى بالخطوط العريضة التى رسمها ريمون شواب بإقامة الروابط بين أجزاء المادة ذات الصلة بالموضوع والموجودة فى كتابات علماء الكتاب المقدس الالمانء وباستخدام هذه الادة لتقديم قراءة تتسم بالفطنة والطرافة لأعمال ثلاثة من كبار الكتاب البريطانيين» ومع ذلك فإن هذا الكتاب يفتقر إلى درجة من درجات اللون السياسى والايديولوچى الذى أضفاه الكتاب البريطانيون والفرنسبون» وهم مدار اهتمامى الرئيسى» على المادة الشرقية . أضف إلى ذلك أننى أحاولء خلافا لشافر» إيضاح التطورات اللاحقة فى الاستشراق الأكاديمى والاستشراق الأدبىء وهى التى ترتبط بصلَة ما بين الاستشراق البريطانى والفرنسى من ناحية» وبين نشأة إمپريالية اسار التفكير بصورة سافرة من ناحية أخحرى. كما إننى أيضًا أرغب فى تبيان الأسلوب الذى عادت به هذه الأمور المبكرة إلى الظهور - وكما هى تقريبًا - فى الاستشراق الأمريكى بعد الحرب العالمية الثانية .

ولکن لدراستی جانبًا قد يكون خادعًاء إذ إننى لا أشير إلا إشارات عابرة إلى التطورات الالانية بعد الفترة الافتتاحية التى سادها ساسى ولا أناقش تلك التطورات مناقشة مستفيضة» وكل عمل يسعى لتقديم شرح للاستشراق الاكاديى ويكاد يغفل بعض كبار الباحثئين مثل شتاينتال» ومولرء وبيكرء وجولدتسيهر» وبروكلمان» ونولدكه - إذا اقتصرت على حفنة منهم وحسب س الققدمة

67 - لابد من مؤاخحذتهء وآنا أؤاخحذ نفسى دون تحفظ» وأعرب عن أسفى بصفة خاصة لأننى لم أخحصص مساحة أكبر للحديث عن الصيت العلمى المدوّى الذى اكتسبته البحوث الالانية فى نحو منتصف القرن التاسع عشر» وقد رات الروائية چورج إليوت فى تجاهل هذا الصيت إدانة لانغلاق الباحثين البريطانيين على انفسهم» وارى الآن بعين خيالى الصورة التى رَسَمُتّها فى رواية ميدلارش للمستر كازوبون» وهى صورة لا تنسى» إذ يقول ابن عمه الصغير ول لاديسلو إن من أسباب عجز كازوبون عن الانتهاء من وضع دراسته ”مفتاح جميع الأساطير“ أنه غير ملم بالبحوث الألانية . فالأمر لا يقتصر على أن كازوبون قد اختار موضوعا ”دائم التغير مثل الكيمياء» حيث تؤدى المكتشفات الجديدة المتوالية إلى تقديم وجهات نظر جديدة““ بل إنه يضطلع بعمل شبيه بإثبات خط العلآمة باراسيلساس لانه ”ليس مستشرقاء کما تعل“*. ولم تخطئ إليوت فى إلماحها بان البحوث الالمانية كانت قد احتلت الصدارة الكاملة فى أوروبا بحلول عام ۱۸١١‏ تقريبًاء وهو الوقت الذى تدور فيه أحداث روايتها المذكورة. ولكنه كان من المحال» فى أى مرحلة من مراحل البحوث الالمانية فى الثلثين الأولين من القرن التاسع عشرء قيام مشاركة وثيقة بين المستشرقين وبين الاهتمام القومى المديد والطويل الأجل بالشرق» فلم يكن لا لمانيا حضور فى الشرق يماثل الحضور الأنجلوفرنسى فى الهند وفى بلاد الشام وشمال إفريقيا. كما إن الشرق كان وجوده فى الانيا يكاد يقتصر على البحوث العلمية أو قل إنه كان شرقا كلاسيكيًاء فلقد استوحاه المبدعون فى الشعر الغنائى» والتهويمات الخيالية » بل وفى الروايات› لکنه لم یکن قط شرفا فعلًا بالصورة التى كانت مصر وسوريا تبدوان عليها لعیون شاتوبریان» أو لين» آو لامارتين» أو بيرتون» أو دررائيلى» أو نيرقفال. ولننظر إلى انين من أشهر الأعمال الالانية التى كتبت عن الشرق» الأول كتبه جوته بعنوان ديوان الشرق والغرب. والثانى كتبه فريدريش شليجيل عن لغة الهند وحكمتهاء نجد أن الأول كان يقوم على رحلة فى نهر الراين والثانى على ساعات قضاها المؤلف فى مكتبات باريس» ولهذا ماله من دلالة. = المققدمة وس

- الببحث العلمى وتطبيقها على النصوص والأساطير والأفكار واللغات التى جمعها رجال الامبراطوريتين البريطانية والفرنسية» دون مبالغة » من الشرق.

أما الصفة التى يشترك فيها الاستشراق الألمانى مع الاستشراق الاأنجلو فرنسى» ومن بعده الاستشراق الأمريكى» فهى تتعه بضرب من السلطة الفكرية على الشرق داخل الثقافة الغربية› معنى أنه كان الثقة والمرجع» ولابد أن تكون هذه السلطةء إلى حد كبيرء الموضوع الذى تتناوله أى دراسة للاستشراق» وهى كذلك فى هذه الدراسة. بل إن اسم الاستشراق نفسه يوحى بأسلوب جاد من أساليب الخبرة وقد يكون ثقيل الوطأة أيضًا» وعندما أستعمل ذلك الاسم فى الإشارة إلى علماء الاجتماع الأمريكيين المحدثين (واستعمالى للاسم غريب لأنهم لا يطلقون على أنفسهم لقب المستشرقين) فإننى أريد أن ألفت الأنظار إلى أن خبراء الشرق الأوسط لا يزالون قادرين على الانتفاع بآثار الموقع الفكرى الذى كان الاستشراق يشغله فى القرن التاسع عشر فى أوروبا.

لا تتسم السلطة بسمات غامضة أو سمات' طبيعية» فهى تتشكل» فيبدا إشعاعها ونشرهاء كما يستخدمها صاحبها لغاية ما» وفى إقناع غيره» كما إنها تتمتع بمكانة خاصة» فهى ترسى معايير الذوق والقيم» وهى لا تكاد تتميز عن بعض الأفكار التى ترفعها إلى منزلة الحقيقة» ولا عن التقاليد والآراء والأحكام التى تشكلها وها ونولّدها. والاهم من هذا كله آن السلطة تقبل التحليل بل لابد من تحليلها. وجميع الصفات المذكورة للسلطة تنطبق على الاستشراق» ويتمثل جانب كبير عا أفعله فى هذه الدراسة فى وصف السلطة التاريخية فى الاستشراق»ء وسلطة الاستشراق الشخصية.

أما وسائلى المنهجية الرئيسية لدراسة السلطة هنا فتنحصر فى اثنتين› يمكن أن نطلق على الأولى تعبير الموقع الاستراتيجى» وأعنى به طريقة وصف موقع المؤلف فى أحد النصوص إزاء المادة الشرقية التى يكتب عنهاء والثانية هى التشكيل الاستراتيجى» وأعنى به طريقة تحليل العلاقة فيما بين س الققدمة

mj

اللصوص. والوسيلة التى تتمكن بها مجموعة من النصوص ‏ أو أغاط | النصوص» بل واجناس النصوص» من اكتساب الصلابة والكثافة والقوة المرجعية فيما بينها أولا ثم فى الثقافة بصفة عامة بعد ذلك. وأنا لا أستعمل فكرة الاستراتيجية إلا لتحديد المشكلة التى يواجهها كل كاتب عن الشرق: كيف يحيط بالشرق» وكيف يكون مدخله إليه وكيف يحول دون انهزامه الشخصى أو اندحاره نفسيًا أمام سمو الشرق الروحىء ونطاقه الشاسع» وأبعاده الرهيبة. ولابد لكل من يكتب عن الشرق أن يضع نفسه فى موقع مواجهة مع الشرق» وهذا الموقع حين يترجمه الكاتب فى نصه يتضمن الصوت السردى الذى يتخذه ونط البناء الذى يبنيه» وأنواع الصور والموضوعات والأفكار الأساسية التى تدور فى نايا النص - وتصبح فى مجموعها طرائق متعمدة لمخاطبة القارئ» و احتواء الشرقء ثم تمثيله فى نهاية الأمر أو التحدث باسمه. ولكن أيّا من هذا لا يحدث فى فراغ» فكل كاتب عن الشرق (ويصدق هذا على الجميع» حتى على هوميروس) يتسخذ لنفسه ‏ سابقة“ شرقية آأى معرفة سابقة بالشرق من لون ماء يرجع إليها ويعتمد عليها. اضف إلى ذلك أن كل عمل يتناول الشرق يربط نفسه بالأعمال الأخرى» وبجماهير القراء» وبالمؤسسات. وبالشرق نفسه. وهكذا فإن مجموع العلاقات فيما بين هذه المؤلفات والجماهير وبعض جوانب الشرق الملحددة يعتبر تشكيلاً قابلاً للتحليل - مثل التشكيل الذى يضم دراسات فقه اللغةء والمنتخبات من نصوص الآداب الشرقية» وكتب الرحلات» والقصص الخيالية الشرقية - إذ إن وجود هذا التشكيل على مر الزمنء وفى كلام الناس وتفكيرهم» وفى المؤسسات (المدارس والمكتبات ووزارات الخارجية) يهبه القوة والسلطة.

وأرجو أن يكون واضحاً أن اهتمامى بالسلطة لا يستلزم تحليل ما هو خبیء وخفی فی النص الاستشراقىء بل تحليل ما يسمى بسطح النص» أى موقعه خارج ما يتحدث عنه. ولا أعتقد أن تأكيد هذه الفكرة فيه إطناب : فالاستشراق يفترض الموقع الخارجى للمستشرق شاعرا كان أو باحئاء فهو يجعل الشرق يتكلم» ويصف الشرق» ويشرح أسراره الغامضة للغرب ومن

س الققدمة وس

70 u‏ أجل الغرب . والشرق لا يعنيه إلا باعتباره السبب الأول لا يقولهء فالقصد مما يقوله وما يكتبه» لأنه قد قيل أو كتب» أن يدل على المستشرق خارج الشرق» باعتباره حقيقة وجودية ومعنوية . وأما الثمرة الرئيسية لهذا الوجود الخارجى فهى تثيل. الشرق» فمنذ عهد بعيد» من أيام مسرحية الفرس التى كتبها الشاعر اليونانى أيسخولوس» قبل الميلادء والشرق يتحول من شخصية الآخرء الذى يبعد إلى أقصى حد عن الغرب» وكثيرًا ما ثل خطرا يتهدده ا هات اة ا( هة ف اة ورين وة لاء الآسيويات النادبات) . والحضورية الدرامية للتمثيل التصويرى لمسرحية الفرس تؤدى إلى تعتيم حقيقة مهمة وهى أن الجمهور يشاهد تثيلاً مصطنعا إلى حد بعد لشخصیات جعلها رجل غير شرقی ترمز للشرق کله. وهکذا فإن تحليلى للنص الاستشراقى يؤكد الأدلةء وهى أبعد ما تكون عن الخفاءء على هذه الصور التمثيلية باعتبارها صورا تمثيلية لا باعتبارها صورا طبيعية“ للشرق . ونستطيع الاطلاع على هذه الأدلةء وبنفس القدر من السطوع» فى النصوص التى تزعم تقديم الحقائق وحدها ج التاريخ والتحليل اللغوى والدراسات السياسية) مثلما نجده فى النصوص الفنية الصريحة (أى الإبداعية السافرة). وأما ما هو جدير بالنظر فهو الأسلوب»ء والصور البلاغيةء ووصف المكانء والوسائل السرديةء والظروف التاريخية والاجتماعية» لاصحة آو صدق التمثيل ومطابقته للأصل العظيم مهما يكن ذلك الأصل. وآما كون التمثيل خارجيًا فيخضع داثمًا لصورة من صور البديهية التى تقول إنه لو كان الشرق يستطيع تيل نفسه لفعل» لكنه ما دام لا يستطيع ذلك فليقم هذا التمثيل بالمهمة» من أجل الغرب» وكذلك - ما دمنا لا نجد ما هو أفضل - من أجل الشرق المسكين نفسه. وقد کتب کارل مارکس فی کتاب شهر برومير الثامن عشر ولویس بونابرت يقول: ”إنهم لا يستطيعون تثيل آنفسهمء ولابد آن يثلهم أحد“ ومن الأسباب الأخرى لإصرارى على تأكيد 'الموقع الخارجی“ اعتقادى بضرورة إيضاح أن الذى يجرى تداوله بين الناس فى الخطاب“ الثقافى وفى م الققدمة

71 المبادلات داحل ثقافة من الثقافات ليس ”الحقيقة““ بل صور تمثيلية » وأظن أننا لسنا بحاجة إلى أن نبين من جديد أن اللغة نفسها نظام بالغ التنظيم ری ار اھا ته وال کی نی وار رفا رتال والمعلومات» والصور التمثيلية وما إلى ذلك. وعلى أية حال» فلا يوجد - فى حالة اللغة المكتوبة على الأقل - ما يمكن تسميته بالحضور أو الوجود الحقيقى بل الرمز لما هو موجود أو تقديم ما يمثله. ومن ثم فلا نستطيع إرجاع قيمة وفعالية وقوة شىء مكتوب عن الشرق» مهما بدا من صدقهء إلى الشرف؛ بل ولا يكن أن يتمد أى من هذه السات غل قق الصدق فيه بل نرى» على العكس من ذلك. أن تلك الكتابة تعتبر ذات وجود للقارئ بفضل قدرتها على استبعاد وإزاحة الكيان الحقيقى ”للشرق“ وجعله من النوافل . وهكذا فإن الاستشراق برمته يقع خارج الشرق وبعيدا عنه» وأما قدرة الاستشراق على أن تكون له دلالة على الإطلاق فأمر يعتمد على الغرب أكثر ما يعتمد على الشرق» وهذه الدلالة دين بدَين مباشر إلى شتى تقنيات التمشيل الغربية» وهى التى تهب الشرق صورا مرئية واضحة و" بعيدة““ أى خحارجية» فى أى حديث عنه. وهذه الصور التمثيلية تعتمد على المؤسسات والتقاليد والأعراف وشفرات الفهم المتفق عليها فى إحداث تأثيرهاء لا على شرق بعید لا شکل له. والفارق بين الصور التى كانت تمثل الشرق قبل الثلث الأخير من القرن الثامن عشر» والتى أصبحت تثله بعد تلك الفترة (أى تلك التى تنتمى إلى ما أسميته الاستشراق الحديث) هو أن نطاق التمثيل قد اتسع اتساعا هائلاً فى الفترة الأخيرة. صحيح أن أوروبا» بعد ولیم چونز وأنكتيل-ديپرون وبعد حملة نابليون على مصرء أصبحت تعرف الشرق معرفة أقرب إلى المعرفة العلمية. وأصبحت أقدر على الحياة فيه بسلطة أعظم ونظام أدق مما كانت تتمتع به فى يوم من الايام» لكن الذى كان يهم أوروبا هو توسيع نطاق تقنيات ”تقبل“ أو ”استقبال“ الشرق وتنقية أدوات البحث فيه. وعندما كشف الشرق بصورة قاطعة عن العمر الطويل للغاته» فى أواخر القرن الثامن عشر م الققدمة هس

| ومطلع التاسع عشر» ومن ثم سلب اللغة العبرية مرکزها العريق المقدس›

كانت مجموعة من الأوروبيين هى التى قامت بهذا الكشف. ونقلت نتائجه إلى الباحثين الآخرين» مع الاحتفاظ بذلك الاكتشاف فى العلم الجديد المسمى فقه اللغات الهندية الأوروبية. وهكذا ولد عم جدید قوی من الدارسين من رؤية ”الشرق اللغوى“ » ورأوا معه» على نحو ما بين فوكوه فى كتابه نظام الأشياءء شبكة كاملة من الاهتمامات العلمية ذات الصلة به. وعلى غرار ذلك قام وليم بيكفوردء واللورد بايرون» وجوته» وهوجو بإعادة بناء صورة الشرق فى فنونهم ومكنوا القراء من مشاهدة ألوانه وأضرائه وشعوبه فى صورهم الشعرية وإيقاعات نظمهم وخيوط أفكارهم . ونستطيع أن نقول إن الشرق الحقيقى“ كان» على أقصى تقديرء يحفز الكاتب على إبداع رؤية ماء لكن هذه الرؤية نادرّا ما كانت تسترشد بذلك الشرق ”الحقيقى“ .

كان الاستشراق يشل استجابة للثقافة التى أوجدته أكثر من استجابته لموضوعه المفترض» وهو الذى أنتجه الغرب أيضًا. وهكذا فإن تاريخ الاستشراق يتسم باتساق داخلى وبمجموعة بالغة الوضوح والتفصيل من العلاقات مع الثقافة السائدة المحيطة به. ومن ثم فإن تحليلاتى تحاول رسم صورة هذا المجال وتبيين تنظيمه الداخلى» وروادهء و الثقات“ الذين يعتبرون السلطة الأبوية فيه» والنصوص المعتمدة فيه والأفكار التى تلهج بحمده» وشخصياته المثالية » وأتباعه» والذين طوروه»ء والثقات الجدد فيه. كما إننى أحاول أن أشرح كيف استعار الاستشراق بعض الأفكار والمذاهب والاتجاهات المتطرفة““ التى تسود الشقافة من وقت لآحر وكانت هذه تغذوه فى أحيان كثيرة» وهكذا رأينا (وما زلنا نرى) صورة لغوية للشرق» وصورة فرويدية› وصورة شينجلريةء وصورة داروينية» وصورة عنصرية» وهلم جرا ومع ذلك فلم يحدث قط أن وَج شرق نقى غير مشروط» وعلى غرار ذلك لم توجد قط صورة غير مادية للاستشراق» ناهيك با هو أكثر براءة مشل ”فكرة“ الشرق. وأنا أخحتلف اختلافًا مؤكدا فى هذه العقيدة الكامنة والآثار المنهجية الترتبة عليها عن الباحثين الذين يدرسون تاريخ الآفكار. فلقد تمكن س المققدمة

الخطاب" الاستشراقى من قول ما يقوله» وتأكيد ما يؤكده» وتحديد الصور ا الفعلية التى اتخذهاء وقبل هذا وذاك تحقيق فعاليته المادية بطرائق يكاد يتجاهلها تامًا أى تاريخ للأفكار يتسم بإحكامه ودقته. ولو سلبنا الاستشراق هذه ”التأكيدات“ والفعالية المادية فسوف يصبح الاستشراق فكرة أخرى وحسب» لکنه کان ولا یزال أكثر من ذلك بکثیر. ومن ثم فإننی أعتزم آلا أقتصر فى دراستى على بحوث العلماءء بل أن أفحص أيضًا أعمالا أدبية وكتابات سياسية» ونصوصًا صحفية» وكتب رحلات» ودراسات دينية ولغوية. وهكذا فإن منظورى الهجین يکن أن يوصف» بتعبیر آخر.. بأنه تاریخی و آنثروپولو جى" بصورة عامة» ما دمت أعتقد أن جميع النصوص نصوص دنيوية وتتأثر بالظروف المحيطة بهاء وإن اختلفت أشكال ذلك من نوع نص إلى نوع آخر» ومن فترة تاريخية إلى سواها. ومع ذلك فإننى أختلف مع ميشيل فوكوه وأنا آدين لعمله بدين کبيرء فی آننی أعتقد اعتقادا راسخًا آن کل مؤلف فرد يكسب عمله طابعه الذى يحدد طابع النص ولولا ذلك لأصبحت لدينا ا جماعية“ مجهولة المؤلف من النصوص التى تمثل الاستشراق. أو غيره من التشكيلات“ الحافلة بالاستطرادات. وترجع الوحدة التى تتميز بها مجموعة النصوص الكثيرة التى أقوم بتحليلهاء من زاوية معينةء إلى أنها كثيرا ما تشير إلى بعضها البعض؛› فما الاستشراق» فى نهاية الأمرء إلا نظام للاستشهاد بالكتابات والمؤلفين. وكتاب إدوارد وليم لين ”أخلاق المصريين المحدثين وعاداتهم“ قرأه واستشهد به کناب شتی مثل نیرقال وفلوبیر وریتشارد بیرتون» فلقد کان لین حجةٌ فی بابه ولا مناص من أن يرجع إليه كل من يكتب عن الشرق أو يفكر فيه» لا من يكتب عن مصر فحسب أو يفكر فيهاء فكان نيرال يستعير فقرات كاملة وحرفية من المصريين المحدثين حتى يستعين بحجيّة لين فى وصف مشاهد القرى فى سوريا لا فى مصر. وقد نشأت حجية لين والفرص التاحة للاستشهاد به» بفطنة وتييز أو دون تمييزء لأن الاستشراق قد هيأ للنص الذى کتبه ما اکتسبه من شيوع وتداول. لكنه من المحال س شيوع وذيوع صیت لين دون تفهم السمات الخاصة التى يتسم بها نص هذا الرجلء ويصدق هذا » القدمة هس

8

35 أيضًا على رينان» وساسى» ولامارتين» وشليجيل» ومجموعة من الاب الآخحرين ذوى النفوذ. ويعتقد فوكوه أنه ليست هناك قيمة تذكر» بصفة عامة› للنص المفرد أو المؤلف الفرد» لكننى وجدت أن الواقع العملى» فى حالة الاستشراق (وربما ليس فى حالات أخرى) يقول بغير ذلك» ومن ثم فإن تحليلاتى قراءات نصية دقيقة ترمى إلى إماطة اللثام عن الجدلية الدائرة بين النص أو المؤلف الفرد من ناحية وبين التشكيل الجماعى الُركب الذى يشارك فيه عمل المؤلف .

ولكن هذا الكتاب» على الرغم ما يتضمنه من المختارات الكثيرة من

کتابات الكّاب» بعد ما یکون عن تقدیم تاریخ کامل آو سرد عام للاستشراق» وآنا شديد الوعى بهذا القصور. فالواقع أن نسيج خطاب الاستشراق نسيج سميك كثيف اليوط وهذا الثراء هو الذى مكنه من البقاء وأداء وظيفته فى المجتمع الغربى: وقد اقتصرت فى عملى على وصف بعض أجزاء ذلك النسيج فى لحظات معينة» وعلى مجرد الإشارة إلى وجود كيان كل أكبر وأكشر تفصيلاً وطرافة» وينتشر فى جنباته ما ببهر العين من صور الأشخاص» ومن النصوص والأحداث. وكان عزائى لنفسى أن قلت إن هذا الكتاب حلقة من حلقات» وآمل أن يبدى غيرى من الباحثين والنقاد الرغبة فى كتابة حلقات آخرى. فلا يزال موضوع الثقافة والإمپريالية ينتظر دراسة عامة» وقد تتعمق دراسات أخحرى أكثر مما تعمقت فى رصد العلاقة ما بين الاستشراق والتعليم» أو فى دراسة الاستشراق الإيطالى والهولندى والالانى والسويسرى» أو القوى المحركة فى العلاقة ما بين البحث العلمى والكتابة الإبداعية» أو فى العلاقة ما بين الأفكار الإدارية والانضباط الفكرى. وقد يكون آهم عمل على الإطلاق هو القيام بدراسات فى البدائل المعاصرة للاستشراق» أو التساؤل عن كيفية دراسة الثقافات والشعوب الأخحرى من منظور تحررى أو برئ من القمع والتلاعب . ولكن على المرء عندها أن يعسيد التفكير فى مشكلة المعرفة والسلطة برمتهاء وهى مشكلة مركبة. وهذه جميعًا من المهام التى لا تزال ناقصة فى هذه الدراسة» وبصورة تدعو إلى الحرج. س الققدمة

73 وآخحر ملاحظة أبديها على المنهج» وقد يكون فيها اغتباط بالنفس» هى - آننى حين كتبت هذه الدراسة كنت أتوجه بها إلى عدة فثات من القراء: فالاستشراق يقدم لدارسى الأدب والنقد نموذجا راثعًا للعلاقات المتداخلة ما بين المجتمع والتاريخ والنصوص» كما إن الدور الثقافى الذى قام به الشرق فى بلدان الغرب يربط الاستشراق بالأيديولوچياء والسياسة» ومنطق السلطة› وهی فى اعتقادى أمور تهم المجتمع الأدبى. وقد توجهت إلى دارسى الشرق المعاصرين» من الباحثين الجامعيين إلى راسمى السياسات» بهذه الدراسة لتحقيق غايتين : الأولى هى تقديم صورة أنسابهم الفكرية بطريقة غير مسبوقةء والثانية هى نقد الافقراضات التى يعتمد عليها معظم عملهم» وهى التى كثيرًاً ما لا يتساءل عن صحتها أحد» على أمل أن يؤدى هذا النقد إلى إثارة المناقشة حولها. وأما بالنسبة للقارئ العام فإن هذه الدراسة تتناول أمورا دائمًا ما تفرض الانتباه لهاء وهى تتصل جميعا لا بتصورات الغرب عن الآخر ومعاملاته معه فقط بل أيضًا بالدور ذى الأهمية الفريدة الذى تقوم به الثقافة الغربية فيما أسماه فيكو عالم الأمم“ . وآخيرًا فإن هذه الدراسة تقدم نفسها إلى القراء فيما يسمى العالم الثالث لا باعتبارها حطوة فى سييل تفهم السياسة الغربية والموقع الذى يشغله العالم غير الغربى فى هذه السياسة» بقدر ما هى خطوة فى سبيل تفهم قوة الخطاب“ الثقافى الغربى» وهى القوة التى كثيرًا ما يتصور البعض خط أنها للزخحرفة فحسب أو أنها تنتتمى لما يسمى ”البنية الفوقية““ . وأرجو أن أضرب الامثلة التى تبين حقيقة الهيكل الهائل للسيطرة الشقافية» وضروب الخطر والإغراء التى تواجهها الشعوب التى تخلصت من ربقة الاستعمار بصفة خحاصة» والتى قد تجعل أبناء‌ها يستخدمون هذا الهيكل للسيطرة على أنفسهم أو على غيرهم. وتقسيم هذا الكتاب إلى ثلاثة فصول طويلة واثنتى عشرة وحدة قصيرة يهدف إلى تسهيل العرض إلى أقصى حد ممكن. فالفصل الأول ”نطاق الاستشراق" يرسم دائرة كبيرة حول جميع أبعاد الموضوع» من حيث الزمن التاريخى والخبرات التاريخية» ومن حيث المحاور الفلسفية والسياسية.

0 الققدمة

| والفصل الثانى ”آبنية الاستشراق وإعادة بنائها“ يحاول متابعة تطور

الاستشراق الحديث عن طريق الوصف الذى يبع التسلسل الزمنى بصفة عامة» وكذلك بوصف عدد من الوسائل التى يشترك فى استعمالها كبار الشعراء والفنانين والبالحشن والفصل الثالث ”الاستشرإق .اليوم“ يبدا حيث آي ا ف عام ۷۰ . وکانت هذه فترة التوسع الاستعمارى الكبير فى الشرق» وهى التى بلغت ذروتها فى الحرب العالمية الثانية . والقسم الاير من الفصل الثالث يحدد ملامح التحول من الهيمنة البريطانية والفرنسية إلى الهيمنة الأمريكية» وفيه أحاول آخيرًا رسم صورة الواقع الفكرى والاجتماعى الحالى للاستشراق فى الولايات المتحدة.

3 البعد الشخصى؛

يقول جرامشى فى مذكرات السجن ”إن نقطة الانطلاق عند الشروع فى نقد تفصيلى تتمثل فى الوعى بالذات وفى ”معرفة النفس“ بصفتها نتيجة لعملية تاريخية جارية حتى تلك اللحظة» وهى ‏ العملية“ التى أودعت فى النفس آثارًا لا يحصى عددها دون أن تصحبها قائمة جرد لها“ . والترجمة الإغجليزية الوحيدة المحاحة تتوقف دون إيضاح› عند هذا الحد من تعليق جرامشى » أما النص الإيطالى الأصلى الذى كتبه جرامشى فينتهى بالعبارة التالية ”وإذن فلا مناص فى البداية من إعداد قائمة الجرد المذكورة“"' .

ومعظم رصيدى الشخصى الذى استثمره فى هذه الدراسة مستمد من وعیی باننی ””شرقی“ باعتبار آننی نشات طفلاً فی مستعمرتین بریطانیتین› أما تعليمى» فى هاتين المستعمرتين (فلسطين ومسصر) وفى الولايات المتحدة» فقد كان كله غربيّاء ومع ذلك فإن ذلك الوعى المبكر العميق ظل قائمًا. ولقد كانت دراستى للاستشراق» من عدة زواياء محاولة لإعداد قائمة بالآثار التى خلفتها فى نفسى» باعتبارى ذانًا شرقية» تلك الثقافة التى كانت سيطرتها عاملاً قوي فى حياة جميع الشرقيين. وهذا هو السبب الذى دفعنى إلى أن أجعل الشرق الإسلامى محور الاهتمام. أما إذا كان الذى أنجزته هو قائمة س الققدمة

77

الجرد التى أوصى بها جرامشى فامر لا أستطيع الحكم بصوابه أو خطئه» على الرغم نما أحسسته من أهمية الوعى بمحاولة إعداد تلك القائمة. ولقد حاولت فى جميع مراحل عملى الحفاظ على الوعى النقدىء بأقصى ما أستطيعه من صرامة وعقلانية » إلى جانب وسائل البحث التاريخى والثقافى والإنسانى التى أسعدنى الحظ فاكتسبتها فى تعليمى» لكننى لم أفقد فى هذا أو ذاك» على الإطلاق» الوعی بالواقع الثقافی وهو آننی ”شرقی“ أى بانغماسى الشخصى فى القضية ما دام ”تکوینى“ شرقيا.

وأما الطروف الاريخة الى مكسي من إجراة هذه الذراسة فهى معقذة إلى حد ماء وکل ما استطيعه هنا هو آن أاضع رسمًا تخطيطبًا لها . فلقد شهد من أقام فى الغرب منذ الخمسينيات» خحصوصاً فى الولايات المتحدة» حقبة الاضطراب البالغ فى العلاقات بين الشرق والغرب» ومن المحال أن يغفل أحد عن إدراك أن ”الشرق“ كان دائمًا ما ثل الخطر والتهديد للغرب خلال تلك الفترة» حتى ولو كان الشرق يعنى الشرق التقليدى وروسيا فى الوقت نفسه. وشات وترعرعت فى الجامعات برامج ومعاهد لدراسة المناطق“ على نحو أصبحت فيه الدراسة الأكاديية للشرق فرعا من فروع السياسات القومية . والشثون العامة“ فى الولايات المتحدة تتضمن اهتمامًا مفيداء بالشرق»› بسبب أهميته الاستراتيجية والاقتصادية وكذلك بسبب غرابته التقليدية . فإذا كان العالم قد أصبح فى متناول آيدى المواطن الغربى الذى يعيش فى العصر الإلكترونىء فلقد اقترب الشرق منه كذلك» وربما تكون صورته الأسطورية قد تضاءلت بالقياس إلى كونه مكانًا تتقاطع فيه المصالح الغربية» والمصالح الأمريكية بوجه خحاص .

ومن السمات التى أصبح العالم الإلكترونى يتسم بها فى فترة ما بعد الحداثة» تدعيم القوالب النمطية التى ينظَرٌ إلى الشرق من خلالها. ويعمل التليفزيون»ء مثلما تعمل الأفلام وجميع موارد أجهزة الإعلام على تشكيل المعلومات قسرًا حتى تلائم القوالب التى تتخذ أشكالا موحدة يوما بعد يوم. وفيما يتعلق بالشرق» أدى استخدام الأشكال الموحدة والقوالب النمطية م الققدمة هس

| الثقافية إلى تدعيم سيادة النظرة إلى ”الشرق الغامض" باعتباره شيطاتًا» وهى

التى كانت قائمة فى القرن التاسعم عشر» سواء كان ذلك فى البحوث الأكاديية أو الأعمال الإبداعية. ولا يصدق هذا.على شىء مثلما يصدق على أساليب تفهم الشرق الأدنى . وأمامنا ثلاثة عوامل جعلت من تفهم العرب والإسلام» حتى فى أبسط الصور الممكنة» مسألة مشبعة بالدلالات السياسية العالية النبرة. أآما العامل الأول فهو تاريخ التعصب الشائع فى الغرب ضد العرب والإسلام» وهو الذى يتجلى مباشرة فى تاريخ الاستشراق» والعامل الثانى هو الصراع بين العرب والصهيونية الإسرائيلية » وتأثير ذلك الصراع فى اليهود الأمريكيين وفى الثقافة المححررة وفى السكان بصفة عامة» والعامل الثالث هو الانعدام شبه التام لأى موقف ثقافى يتيح للفرد التعاطف مع العرب أو اللإسلامء أو مناقشة أيهما مناقشة غير انفعالية . ولا أظننى» أيضًاء بحاجة إلى القول بأنه لما كان الشرق الأوسط قد أصبح مرتبطا بسیاسات الدول العظمى» واقتصاديات البترول» والتقسيم أو التمييز الساذج بين إسرائيل الديموقراطية والمحبة للحرية وبين العرب الأشرار» ذوى الانظمة الشمولية» والإرهابيينء فقد تضاءلت إلى حد يدعو إلى الاكتشاب فرص وضوح الموضوع فى عيون الذين يتحدثون عن الشرق الاأدنى.

وقد كانت خبراتى الخاصة بهذه الأمور من الدوافع التى دفعتنى إلى كتابة هذا الكتاب . فحياة الفلسطينى العربى فى الغفرب» خحصوصًا فى أمريكاء مثبطة للعزم» إذ يشيع هنا اتفاق فى الراى» ويكاد يكون إجماعياء على أنه غير موجود سياسيًاء فإذا سمح البعض له بالوجود اعتبروه إما مصدر إزعاج أو شخصًا شرقيًا وحسب» فشبكة العنصرية والقوالب النمطية الثقافية والإمپريالية السياسية والايديولوجيا السالبة لإنسانية الإنسان» وهى الشبكة التى تحيط بالعربى أو بالمسلم» شبكة بالغة القوةء وهذه هى الشبكة التى يشعر الآن کل فلسطینى آنها أصبحت مصيره الذى يثل له عقابًا فريدا. وعا يزيد الأمر سوءا له أن يلاحظ عدم إقدام أى شخص له اهتمامات أكاديمية بالشرق الأدنى - آى عدم إقدام آى مستشرق قط - فى الولايات العمحدة على

س القدمة

79

التعاطف الكامل والصادقء ثقافيًا وسياسيًاء مع العرب» ولا شك أن بعض 5 حالات التعاطف قد وجدت على مستوى من المستويات» لكن ايا منها لم يتخذ فی يوم من الأيام الصورة المقبولة“ التى اتخذها التعاطف الأمريكى الليبرالى“ مع الصهيونية» وكثيرًا ما رأينا من يرمى حالات التعاطف مع العرب بمثالب جوهرية إما بأن يربط بينها وبين المصالح السياسية والاقتصادية الذميمة (فى حالة خبراء الشنون العربية فى شركات النفط أو ورارة الخارجية مثلا) أو يربط بينها وبين الدين .

وهكذا فإن الرابطة ما بين المعرفة والسلطةء وهى التى أوجدت صورة ”الشرقى““ وطمست. من زاوية ماء وجوده باعتباره إنسائًاء ليست مسألة أكاديية محضة فى نظرى ومع ذلك فهى مسألة فكرية ذات أهمية واضحة إلى حد بعيد. ولقد تمكنت من استخدام مشاغلى الإنسانية والسياسية فى تحليل ووصف موضوع دنيوى إلى حد كبير» وهو نشأة وتطور وتدعيم الاستشراق . وما أكثر ما يفترض الناس براءة الأدب والثقافة من السياسة بل ومن التاريخ› ولکننی کنت دومًا آرى الأمر على خلاف ذلك» وأؤکد أن دراستی للاستشراق قد أقنعتنى (وأرجو أن قنع زملائى المشتغلين بالأدب) بأنه من المحال الفصل بين تفهم ودراسة اللجتمع وتفهم ودراسة الشقافة الأدبية . أضف إلى ذلك أننى» ومن واقع منطق یکاد یکون محتومًا» وجدتنى أكتب تاريخ المشاركة السرية الغسريبة فى العداء الغربى للسامية . فالواقع أن العداء للسامية يشبه الاستشراق أو قل إن الاستشراق هو الفرع الإسلامى للعداء للسامية» على نحو ما تظهر مناقشتی له» وهما یتشابهان تشابھًا وثیقًا إلى حد بعد ویثلان معا حقيقة تاريخية وثقافية وسياسية» ولن يدرك ما فى هذه الحقيقة من مفارقة إدراكا كاملا إلا الفلسطينى العربى . لكننى أود أيضًا أن أكون قد أضفت تفهمًا أفضل للأسلوب الذى عملت وتعمل به السيطرة الثقافية . فإذا أدى هذا العمل إلى لون آخر من التعامل مع الشرق» بل قل لو أنه محا تماما تقسيم العالم إلى ”شرق“ و”غرب“» فسوف نكون قد تقدمنا قليلاً على طريق ما أسماه رايموند ويليامز ”محاولة نسيان“ . . . ”طرائق التسلط الراسخة“"'.

= الققدمة مس

E 99‏ . . . العبقرية القلقة الطموح للأررربيين.. . التى لا تصبر حتى تستعمل ما فى طوقها من أدرات جديدة. . . چان-باپتیست-چوزیف فوریه› من التصدیر التاریخی )۱۸٠١۹(‏ لكتاب وصف مصر .

ل 8 يستطيعون تمثيل أنه تفسهې ولابد أن لهم 1 ¢ ی

کارل ا رکس شهر برومير الثامن عد للويس ا

۳ * . لشرق حياة عملية“ مين دیزرائیلی

من رواية تاذ ية تانكريد

a

ولا

معرفةالشرقى

فی ۱۳ یونیو ۱۹۱۰ حدر آرٹر چیمز بُلّفور مجلس العموم البریطانی من ”المشكلات التى علينا أن نواجهها فى مصر“ » فقال إنها مشكلات ”تنتمى إلى فة تختلف اخحتلاقا تام“ عن المشكلات ”التى تقع فى جزيرة وايت الانجليزية أو الرايدنج“ الغربى من مقاطعة يوركشير فى شمال الجلترا“ . كان يتكلم بسلطة عضو البرلان الذى تتع بالعضوية رمتا طويلاًء وسلطة السكرتير الشخصى السابق للورد سولزبرى» والأمين الأول السابق لشثون آيرلنداء ووزير شون اسكتلندا السابق» ورئيس الوزراء السابقء والمخضرم الذى شهد العديد من الأزمات والمنجزات والتغيرات فى الخارج . وکان بلفور أئناء اشتغاله بشثون الامبراطورية قد عمل فى خدمة ملكة أعلن فى عام ٠۸۷١‏ أنها امبراطورة الهندء كما فُذّر له أن يشخل ا ا E‏ لمتابعة حروب أفغانستان وقبائل الزولو فى جنوب إفريقيا والاحتلال البريطانى

طاق الاستشراق ۾ س

لمصر فى عام ١۱۸۸ء‏ ومقتل الجنرال غوردون فى السودان» وحادثة فاشودة» ومعركة آم درمان» وحرب البوير فى جنوب إفريقيا والحرب بين روسيا والیابان. کان یتمتع بمرکز اجتماعی مرموق وباتساع نطاق معارفه وذکائه اللماح٠‏ إذ كان يستطيع الكتابة فى موضوعات شتى من فلسفة برجسون إلى موسيقى هاندل» إلى مذهب الولّهّة. إلى رياضة الجولف. وكان قد تلقى تعليمه فى مدرسة إيتون الراقية الخاصةء ثم كلية ترينيتى بجامعة كيمبريدج وقد أدى ذلك كلهء بالإضافة إلى إلى حذقه الظاهر لشغون الامبراطورية› آنا اب جه ى م حن ى رف هة ية ولكن خطاب بلفور كانت له جوانب آخرى» على الأقل فيما يتعلق باضطراره إلى النبرة التعليمية والأخحلاقية العالية فى ذلك الخطاب» إذ كان بعض أعضاء البرلان يطعنون فى ضرورة وجود ”انجلترا فى مصر“ » وكان أوجود الجلترا فى مصر“ هو موضوع الكتاب الحماسى الذى كتبه الفريد ملتر عام ۱۸۹۲ وإن كان يقول فيه إن الاحتلال الذى كان مفيدا يومًا ما ا مصدرً للمتاعب بعد ارتفاع مد الوطنية المصرية ولم يعد من السهل الدفاع س الفصل الأول

853 عق اران ال رجو اا طا فى مع ودا هت افون ل اة الجن | علمًا بالموضوع وشرحه للأعضاء.

بدأ بلفور بان ذکر الملجلس بالسؤال الذى وجهه إليه ج. م. روبرتسون» عضو البرلمان عن دائرة تاينسايد» فطرح السؤال من جديد وهو ”بأى حق رة مطاهر الامج ارق رر ارت اي ارت أن مرها شرقية؟“ كان اخحتيار لفظة شرقية“ اختيارًا لا مناص منه» فلقد استخدمها الشاعر تشوسرء فى القرن الرابع عشرء ومعه ماندثيل» كاتب كتب الرحلات» ومن بعدهما الشعراء شیکسبیر ودرایدن وپوپ وبایرون. وکانت اللفظة تعنى آسيا أو الشرق» جغرافيًا وأخلاقيًا وثقافيًا. وكان المرء يستطيع أن يتكلم فى أوروبا عن الشخصية الشرقية» أو الو الشرقى» أو الحكاية الشرقيةء أو الاستبداد الشرقى» أو عن أسلوب الإنتاج الشرقى» فيفهمه السامع . وكان ماركس قد استخدم الكلمة» وها هو بلفور يستخدمهاء وكان اختیاره مفهومًا ولا يستلزم أى تعليق على الإطلاق:

أنا لا أتخذ موقف التفوق. ولكننى أسأل إروبرتسون أو أى

شخص آخر|. . . لديه معرفة بالتاريخ مهما تكن سطحية» إن

كان قادرا على المواجهة المباشرة للحقائق التى لابد للسياسى من

التعامل معها حين يوضع فى موقع السيادة إزاء أجناس عظيمة

مثل سكان مصر وبلدان الشرق. إننا نعرف حضارة مصر خير

عا نعرف حضارة أى بلد آخجر» ونعرف تاريخها السحيق» بل

نحيط بها إحاطة أوثق وأشمل . إنها تتجاوز النطاق المحدود

لتاريخ الجنس الذى ننتمى إليه» فهو يضيع فى فترة ما قبل

التاريخ فى الوقت الذى كانت الحضارة المصرية قد تخطت عهد

الشباب. انظروا إلى جميع البلدان الشرقية. لا تتحدثوا عن

تفوق أو عن دونية.

إن ملاحظاته تدور حول محورین کبيرين - هنا وفيما يتلو هذا الكلام - وهما المعرفة والسلطة» وهما محورا الفيلسوف فرانسيس بيكون. وهكذا

ھ تطاق الاستشراق ۾ س

86 | 3 فعندما يبرر بلفور ضرورة الاحتلال البريطانى لمصر» ترتبط السيادة فى تفكيره بمعرفتنا ”نحن لمصرء لا بالقوة العسكرية أو الاقتصادية بالدرجة الأولى . والمعرفة تعنى لبلفور استقصاء مسار حضارة ما من نشأتها إلى ازدهارها إلى ذبولها - وتعنى آيضًاء بطبيعة الحال قدرتنا على ذلك . والمعرفة تعنى الارتفاع على اللحظة الحاضرة»ء وتجاوز الذات إلى الأجنبى والبعيد. وموضوع هذه اة اف الى رة للف الى الف فن اف هة الموضوع يعتبر " حقيقة ثابتة» وحتى لو تطور وتغير أو حول نفسه بنفسه على نحو ما تفعل الحضارات فى أحيان كثيرة» فلابد أن يظل على ثباته الجوهرى بل والوجودى. وامتلاك مثل هذه المعرفة بمثل هذا الشىء معناه السيطرة عليه» أو فرض السلطة عليه . والسلطة هنا تعنى لنا ”نحن“ أن ننكر استقلال هذا ”الشىء“ - وهو البلد الشرقى هنا - ما دمنا نعرفه وما دام يوجد» بمعنى من المعانى» كما نعرفه» أى إن المعرفة البريطانية بمصر هى مصر بالنسبة لبلفور» وتبعات هذه المعرفة تجعل أى مسألة سواهاء مثل مسألة التفوق والدونية» تبدو تافهة. ولا ينكر بلفور إطلاقًا تفوق بريطانيا على مصر ل ر رها محالة سلما بها فى سياق وضقه للأخار اة على المعرفة: انظروا أولا إلى حقائق القضية: إن الأمم الغربية ما إن يبدا ظهورها فى التاريخ حتى تظهر بدايات قدرتها على الحكم الذاتى . . . وهى القدرة الجديرة بالتقدير فى ذاتها... ثم انظروا إلى تاريخ الشرقيين برمته فيما يسمى بصفة عامة الشرق» ولن تجدوا آثارًا تنبئ عن الحكم الذاتى إطلاقًا. إذ مرت كل قرونهم العظمى - ولقد كانت بالغة العظمة - فى ظل الحكومات الاستبدادية والحكم المطلق. كما كانت كل إسهاماتهم الحضارية العظمى - ولقد كانت حقا عظمى - فى ظل ذلك اللون من الحكومة. لقد تلا الفاتحون بعضهم البعض وجاءت سيطرة فى إثر سيطرةء لكنك لن جد فى شتى دورات الأقدار والحظوظ مطلقًا آمة من تلك الأمم تنشئ من تلقاء ذاتها ما نسميه نحن» من وجهة نظر غربية» الحكومة الذاتية. هذه س الفصل الأول

هى الحقيقة . ليست المسألة إذن مسألة تفوق أو دونية. وأتصور أن الحكيم الشرقى الصادق سوف يقول إن الحكومة العاملة التى اضطلعنا بها فى مصر وغيرها من البلدان لا تمثل عملاً جديرا بالفيلسوف - وإنها العمل الحقير أو العمل الأدنى» اللازم لمواصلة الجهد الضرورى . ولا كانت هذه الحقائق حقائق› يجد بلفور أن عليه أن ينتقل إلى القسم التالى من حجته قائلاً:

هل تعود مارسة هذه الحكومة المطلقة من جانبنا بالخير على هذه الأمم العظيمة والتى أعترف بعظمتها؟ أعتقد أنها تعود بالخير عليهاء وأعتقد أن الخبرة قد أثبتت آنها تمتعت فى ظلها بحکومات آفضل کثیرًا ما شهدته على امتداد تاریخ العالم كله» وهى ليست مفيدة لها وحدهاء لكنها ولا شك مفيدة للغرب المتحضر برمته. . . لسنا فى مصر من أجل المصريين فقط» وإن كنا هناك من أجلهم» فنحن هناك أيضًا من أجل أوروبا كلها.

ولا يقدم بلفور أى أدلة على أن المصريين و”الأجناس التى نتعامل معها“ تدر أو حتى تفهم الخير الذى يعود عليها من الاحتلال الاستعمارى» لكنه لا يخطر على بال بلفور أن يطلب من المصرى أن يتحدث بنفسه» ربا لأن المصرى الذى سيتكلم سوف يكون» على الأرجح» ”ذلك المشاغب الذى يثير الصعوبات“ لا المواطن الصالح الذى يتجاهل ””صعوبات““ السيطرة الأجنبية . وهكذا وبعد أن حسم بلفور المشكلات الأخلاقية» يبدأ أخيرا فى التصدى للمشكلات العملية ء قائلاً: ”إذا كانت مهمتنا أن نحكم» سواء لقينا الامتنان أو اجره وسوا تاك الا قا ودا ما فقدوة اسر ارا مه شا أو نسوا ذلك إوبلفور لا يشير ضمنًا إلى فقدان استقلال مصر فى إطار ما . فقده الناس» أو تأجيل الاستقلال إلى أجل غير مسمى] وسواء أدركوا بوضوح أو لم يدركوا جميع الفوائد التى عادت عليهم بفضلنا؛ آقول إذا كان ذلك واجبنا فكيف ينبغى أداؤه؟“ إن انجلترا تصدر ”أفضل ما لدينا إلى تلك

ھ نطاق الاستشراق ۾ س

البلدان“ . وها هم المديرون الذين ينكرون ذواتهم ويقومون بعملهم ”وسط e E a‏ إلى جنس آخر ولهم نظام مختلف وظروف حياة مختلفة“ . وآما ما يمكنهم من أداء مهمة الحكم فهو إحساسهم بأنهم يتمتعون بتأييد الحكومة فى وطنهم؛ وآنها تظّاهر ما يفعلونء لکنه ما إن يخامر السكان من أبناء البلد ذلك الإحساس الغریزى بان الذين عليهم أن يتعاملوا معهم لا يتمتعون بمساندة قوة البلد الذى أرسلهم إلى هناك وبسلطته وتعاطفه ودعمه الكامل والسخىء حتى يتعذر على أولئك السكان اتباع النظام الذى يعتبر حقا أساس حضارتهم» مثلما تتعذر على موظفينا ممارسة أى سلطة أو قوة» وهى الأساس الحق لكل ما يفعلونه لمصلحة الذين أرسلوا لاإقامة بينهم

والمنطق الذى يستخدمه بلفور هنا منطق طريف» على الاأقل لكونه متسقًا مع المقدمات التى يبنى عليها خحطابه كله. فهو يقول إن الجلترا تعرف مصر» ومصر هى ما تعرفه انجلتراء وانجلترا تعرف أن مصر لا تستطيع أن تحكم نفسهاء وانجلترا تؤكد ذلك باحتلال مصرء وأما بالنسبة للمصريين فإن مصر هى البلد الذى احتلته النجلترا وتحكمه الآن؛ ومن ثم فإن الاحتلال الأجنبى يصبح ”الأساس الحق““ للحضارة المصرية المعاصرة؛ ومصر تحتاج بل صر على طلب الاحتلال البريطانى . لكنه إذا تعرضت الصلة الحميمة الخاصة القائمة بين الحاكم والمحكوم لتعكير صفوها بسبب شكول البرلان فى النجلتراء فإن ””سلطة من يعتبرون .. . الجنس المسيطر - وأعتقد أنهم يجب أن يظلوا ا لجنس المسيطر - سوف تتقوض"" . ولا تقتصر النتائج على اهتزار الهيبة

, الإنجليزيةء ”بل سوف يصبح من المحال على حفنة من المسثولين البريطانيين -

مهما تكن مواهبهم الشخصية وشمائلهم وعبقريتهم - أن يضطلعوا بالمهمة العظمى فى مصر» وهى المهمة التى كلفناهم بها وفْرَضّها عليهم العالم المتحض “* ),

س الفصل الأول

0 والأداء البلاغى فى خحطاب بلفور له دلالة خحاصة لان بلفور يلعب

أدوار شخصيات منوعة» أولهاء بطبيعة الحال» شخصية ”الإنجليزى“ > وهو يستسخدم فى الإشارة إليها ضمير اكلم الجمع ”نحن“ » ويجعله يحمل الثقل الكامل لكانة الرجل القوى المرموق الذى يشعر بأنه ثل خير ما يزين تاريخ أمته. وبلفور يستطيع أيضًا أن يتحدث باسم العالّم الممحضر» وباسم الغرب» وباسم الفيلق المحدود نسبيا من المسئولين الاستعماريين فى مصر. وإذا لم يكن يتكلم مباشرة باسم الشرقيينء فذلك لأنهم› على أية حال» يتكلمون لغة أخرى» ومع ذلك فهو يعرف مشاعرهم لأنه يعرف تاريخهم› واعتمادهم على رجال من أمثاله» وتوقعاتهم. ومع ذلك فهو يتكلم قطعًا باسمهم بمعنی أن آی شىء يقولونه لو أنهم سئلوا وتمكنوا من الإجابة» سوف يؤكد ما كان واضحًا من قبلء ومن ثم فلن تكون لقولهم فائدة تذكر: الا وهو أنهم يتتمون إلى جنس محكوم» ويسودهم جنس يعرفهم ويعرف مصلحتهم خيرًا منهم . أما اللحظات المجيدة فى تاريخهم فتنتمى إلى الماضى› ويرجع نفعهم فى العالم الححديث إلى أن الامبراطوريات القوية الحديشة قد أخرجتهم» فى الواقع» من بؤس الانحطاط وأعادت تأهيلهم فجعلتهم سكانا مؤهلين فى مستعمرة منتجة.

ومصر مثال ینطبقی علیہ ما آقول انطباقا رائعاء کما کان بلفور یعی تماما مدی ما يتمتع به من حق فى أن يتكلم عن مصر الحديثة» بصفته عضوا فى بر لان بلده» باسم انجلترا» وباسم الغرب» وباسم الحضارة الغربية. فلم تكن مصر مجرد مستعمرة آخرى» بل كانت نموذجا يبرر الإمبريالية الغربية» إذ إنها كانت» حتى قامت انجلترا بضمها إليهاء لا تكاد تزيد عن نموذج التخلف الشرقى الذى يرد ذكره فى الدراسات الأكاديية» وقد كب لها أن تصبح موذجًا لانتصار المعرفة والسلطة الإنجليزية. وفى الفترة من ١۱۸۸ء‏ وهو العام الذى احتلت فيه انجلترا مصر وقمعت الثورة الوطنية التى قادها الزعيم أحمد عرابی» إلى عام ۱۹۰۷ء كان مل انجلترا فى مصر» أو سيد مصر»ء هو إيشلنج بيرنج (الذى اشتهر باسم ”أوفر بيرنج"" أى المتخطرس) أو اللورد

_ نطاق الاستشراق _—

ار

کرومر. وفی یوم ۳۰ یولیو ۱۹۰۷ کان بلفور هو الذی أعرب فى مجلس العموم البريطانى عن تأيبده لمشروع منح كرومر جائزة تقاعد تبلغ خحمسين آلف جنيه» مکافاة له على ما فعله فى مصر. وقال بلفور إن کرومر صنع مصر :

كل شىء لسه حالفه النجاح فيه. . . ولقد أدت خدمات اللورد

کرومر علی مدار ربع قرن مضی إلى رفع مصر من آدنی مهاوی

الانحطاط الاجتماعى والاقتصادى حتى أصبحت تفرد اليوم

بين الأمم الشرقية انفرادا مطلقًاء فيما أعتقد» بازدهارها المالى

والاخلاقی . آما اسلوب قياس ازدهار مصر الأخلاقى فلم يحاول بلفور تبيانه» إذ كانت الصادرات البريطانية إلى مصر تعادل الصادرات البريطانية إلى قارة إفريقيا بأسرها؛ ولا شك أن ذلك يستدل منه على لون من الازدهار المالى لمصر وانجلترا معًا (ولو بصورة غير متكافئة إلى حد ما)ء وأما امهم حًا فكان تلك الزمناة اشر القاملة ر اة الساقات غل يلد شر اخداء لاحن والمبشرين ورجال الأعمال والجنود والمعلمين الذين مهدوا للاحتلال ثم نفذوهء وانتهاء بكبار الموظفينء مثل كرومر وبلفور» الذين رأوا أنهم يعولون ويوجهون - بل وأحيانًا يفرضون - نهضة مصر فينقلونها من مرحلة التجاهل الشرقى إلى مرحلة المكانة البارزة التى تنفرد بها فى الحاضر .

إذا كان النجاح البريطانى فى مصر فا بالصورة التى صورها بلفور» فلم

يكن على الإطلاق نجاحًا غير عقلانى أو لا يكن تعليله. فلقد كانت إدارة الشثون المصرية تخضع لنظرية عامة أعرب عنها بلفور فى أفكاره عن الحضارة الشرقية مثلما أعرب عنها كرومر فى إدارته للشئون اليومية فى مصر. وأهم ملمح من ملامح هذه النظرية فى العقد الأول من القرن العمشرين كان نجاحهاء بل نجاحها المذهل. كانت الحجةء إذا احتزلّت فاتَحَدّت ابسط شكل E N j EB a O‏ س الفصل الأول

r

الغربيون والشرقيون. فالجانب الأول يسيطر والشانى لابد من السيطرة عليه » وهذه تعنى فى العادة احتلال أراضيه» والتحكم بصرامة فى شئونه الداخلية ووضع دمه وماله تحت تصرف دولة غربية ما. وأما إقدام بلفور وكرومر على تجريد الإنسانية بحيث تققصر» بصورة لا ترحم» على هذه العناصر الجوهرية ثقافيا وعنصريًاء فلم يكن على الإطلاق - على ما سوف يتضح لنا - دليلاً على خبث أو شراسة خاصة بهماء بل كان دليلاً على درجة التبسيط الذى اتخذه المذهب عندما بدا الانتفاع به فى الواقع - وأقصد درجة التبسيط ودرجة الفعالية معا .

ويختلف كرومر عن بلفور فى أن الأخير كانت أطروحاته“ عن الشرقيين تزعم لنفسها الاتصاف بالعالمية الموضوعية» وآما كرومر فكان يتحدث عن الشرقيين بصفة محددة أى عن الذين حكمهم آو اضطر إلى التعامل معهم» فى الهند أولاء ثم فى مصر لمدة خمس وعشرين سنة» سطع فيها نجمه باعتباره آبرز قنصل عام فى الإمبراطورية البريطانية . و””الشرقيون“ عند بلفور هم ”الأجناس المحكومة عند كرومر» وهم الذين جعلهم موضوع مقال طویل نشره فى مجلة إدنبره ریفیو فی ینایر ۱۹۰۸ . وهنا نرى من جديد أن المعرفة بالأجناس المحكومة أو بالشرقيين هى التى تجعل إدارة شئونهم يسيرة ومربحة» فالمعرفة تأتى بالسلطة » وزيادة السلطة تتطلب ريادة المعحرفة» وهكذا دواليك فى جدلية من المعلومات والتحكم تزداد فائدتها باطراد. ويرى كرومر أن امبراطورية انجلترا لن تزول إذا ضعت القيود على النزعة العسكرية والأنانية التجارية فى الجلترا و المؤسسات الحرة“ فى المستعمرة (تييزا لها عن الحكومة البريطانية ””القائمة على قانون الأخلاق المسيحية“ ) ويقول كرومر إنه إذا كان الشرقى يحب أن يتجاهل وجود المنطق تماما فإن الأسلوب الصحيح للحكم لا يتمثل فى محاولة فرض التدابير العلمية الفائقة عليه أو إرغامه جسديا على تقبل المنطق» بل فى تفهم جوانب قصوره و”محاولة العثور فى رضى الجنس المحكوم على رابطة آنبل»ء وأرجو أن تكون هذه الرابطة أقوى وأقدر على التوحيد بين الحكام والمحكومين“ . وخلف ”تطييب خاطر الجنس

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

ا

الملحكوم وترضيته يختبئ جبروت الإمبراطورية» وهو أشد فعالية حين يبدى التفهم المرهف والمهذب من فعالية اللجوء إلى استخدام الجنودء وجباة الضرائب الغشومين. والقوة المفرطة. وباختصار يجب على الامبراطورية أن تتحلى بالحكمة» وأن تلطف من جشعها بقدر من إنكار الذاتء وأن تلطف من لهفتها بقدر من الانضباط المرن:

وبمزيد من الصراحة أقول إن المقصود با يقال عن ضرورة وضع بعض الضوابط للروح التجارية هو أننا عندما نتعامل مع الهنود أو المصريين أو قبائل الشلوك فى السودان أو الزولو فى جنوب إفريقيا يجب أن يكون أول سؤال نطرحه على هذه الشعوب - التى لا تزال من راوية النظر القومية فى مرحلة ”التلمذة“ إلى حد ما - هو ماذا يظن أبناؤها آنه أفضل ما يخدم مصالحهم» وإن كانت هذه مسألة تستحق البحث الجحاد. لكنه لابد من البت فى كل قضية خاصة» بالاستناد أساسًا إلى ما نراه نحنء على ضوء المعرفة والخبرة الغربية وما يلطفهما من الاعتبارات المحليةء» وما نعتقد بضمير سليم أنه أفضل ما يناسب الجنس اللحكوم دون الرجوع إلى آية مزايا حقيقية أو مفترضة قد تعود على الأمة الإنجليزية باسرها أو - على نحو ما هو أشد شيوعا - ما يخدم المصالح الخاصة التى تثلها طبقة ذات نفوذ من أبناء انجلترا أو أكثر من طبقة واحدة. فإذا استمرت الأمة الالجليزية ككل فى مراعاة هذا المبدأء وأصرت على تطبيقه بصرامة» فربا استطعنا» ولو عجزنا عن تحقيق روح وطنية شبيهة بالروح القائمة على علاقة أبناء الجنس الواحد واللغة المشتركة أن نرعى لونًا من الولاء للمواطنة العا مية يقوم على الاحترام الذى نضفيه عادة على المواهب المتفوقة» وعلى سلوك من يؤثر غيره على نفسه» وعلى الامتنان الذى نلقاه مقابل ما أسدينا وما سوف نسدی من معروف. وسوف نرى عندهاء على أية حال»

الفصل الأول

e

بعض بوارق الأمل فى أن يبدى المصرى ترددا قبل أن يراهن بمستقبله مع أى أحمد عرابى آخر فى المستقبل... بل إن المتوحش من سكان أواسط إفريقيا قد ينتهى به الأمر إلى أن يتعلم إنشاد ترنيمة تكريًا لربة العدالة التى عادت» مثلة فى المسثول البريطانى الذى قد ينكر عليه شرب الخمر ولكنه يقدم له العدل . أضف إلى ذلك أن التجارة سوف تكسب .

أما مدى ”البحث الجاد“ من جانب الحاكم فى مقترحات الجنس المحكوم فتشهد عليه معارضة كرومر الكاملة للقومية المصرية. مؤسسات وطنية حرة» إنهاء الاحتلال الأجنبى. وسيادة قومية تعتمد على ذاتها -- هذه مطالب لا تدعو للدهشة ولكن كرومر كان يرفضها دائمًاء ويقول دون لبس أو غموض إن ””مستقبل مصر الحقيقى . . . لن تصل إليه من طريق الوطنية الضيقة» وهى التى سوف تقتصر على أبناء البلد المصريين. . . بل من طريق المواطنة العالمية الموسعة“ » فالأجناس المحكومة لا تستطيع بطبيعتها أن تعرف ما فيه خيرها» فمعظمها أجناس شرقية وكان كرومر يعرف خصائصها خير المعرفة ما دام قد خبرها بنفسه فى الهند ومصر. وكان من صفات الشرقيين التى أراحت كرومر أن إدارة شئونهم كانت واحدة فى كل مكان تقريً ٠‏ وإن اختلفت الظروف اخحتلافات طفيفة من مكان لمكانء وكان السبب فى هذاء بطبيعة الحال» أن الشرقيين لا يكادون يختلفون من مكان لمكان.

وها نحن نصل أخيرًا إلى جوهر المعرفة الأساسية» الذى استغرق وقتًا طويلاً فى نموه وتطوره» وهى المعرفة الاكاديية والعملية التى ورثها كرومر وبلفور من الاستشراق الغربى الحديث على امتداد قرن كامل: معرفة أحوال الشرقيين ومعرفتهم» آى معرفة الجنس الذى ينتمون إليه» وشخصيتهم وثقافتهم وتاريخهم وتقاليدهم ومجتمعهم وإمكانياتهم . وكانت هذه المعرفة فعالة» وكان كرومر يعتقد آنه استعملها فى حكم مصر. يضاف إلى ذلك أنها معرفة مختبرة ولا تتغيرء ما دام ””الشرقيون“ - من الناحية العملية - جوهرا أفلاطونيًا يستطيع أى مستشرق (أو حاكم للشرقين) أن يفحصه ويفهمه

ھ نطاق الاستشراق ۾ س

is

ویعرضه آو يدمه للناس. وھکذا فإن کرومر يقدم لنا فى الفصل الرابم والثلاثين من كتابه مصر الحديثةء الذى يقم فى مجلدين ويعتبر السجل الجليل لخبرته ومنجزاته» ضربا من الشرعة الشخصية المعتمدة للحكمة الاستشراقية›

قائلا:

وهو يبين بعد ذلك أن الشرقيين أو العرب يسهل خداعهم» وأنهم ””يفتقرون إلى النشاط وروح المبادرة"“ » مولعون ”بالإفراط فى المدح والملق“ وبالتآمرء والمكر»› والقسوة على الحيوان. ويقول إن الشرقيين لا يستطيعون

قال لى السير الفريد لَيّال ذات يوم: ”الدقة يبغضها العقل الشرقی» وعلی کل انجلیزى يقيم فى الهند آن يذكر ذلك دائما“ . والافتقار إلى الدقة» وهى الصفة التى يسهل انحطاطها فتتحول إلى الكذب» هو فى الواقع الخصيصة الرئيسية للعقل الشرقى .

فالأوروبى يحكم الاستدلال الدقيق» وذكره للحقائق لا یشوبه آی غموض.» فهو منطقى بالفطرة» حتی ولو لم یکن درس المنطق» وهو بطبيعته شكاك ويطلب البرهان قبل أن يقبل صدق أى قول» وذكاؤه المدرب يعمل عمل الآلة المنضبطة. أما عقل الشرقى فهو يشبه شوارعه الخلابة المظهر» أى يفتقر إلى آی تناسق» والاستدلال لديه أبعد ما يكون عن الإتقان» وعلى الرغم من أن العرب القدماء ارتقوا درجات عالية من العلوم الجدليةء فإن أحفادهم يفتقرون إلى ملكة المنطق افتقارا فريداء وكثيرا ما يعجزون عن التوصل إلى أوضح التائج من أية مقدمات بسيطة قد يعترفون بصدقها. حاول أن تحصل من أى مصرى عادى على بيان واضح للحقائق› وسوف تجد أن شرحه سوف يكون مطَولا بصفة عامة ويفتقر إلى الوضوح . ومن المحتمل أن يناقض نفسه عدة مرات قبل أن ينتهى من کلامه» وکثیرا ما نهار تحت ضغط أخحف استجواب.

. الفصل الأول

mr 1 ۰ المشى فى شارع أو على رصيف (لان أذهانهم الفوضوية تعجز عن فهم ما‎ يدركه الأوروبى الذكى على الفور وهو أن الشوارع والأرصفة قد حعلت‎ للمشى)؛ ويقول إن الكذب متأصل فى الشرقيين» كما إنهم ا‎ ویستریبون بغیرهم“ وفی كل شىء يمثلون عكس صفات الوضوح والمباشرة‎ . والنبل التى يتحلى بها الجنس الانجلوسكسونى‎ ولا يحاول كرومر أن يخفى أن الشرقيين كانوا بمثلون له دائمًا المادة‎ الإنسانية الوحيدة التى كان يحكمها فى المستعمرات البريطانية» ويقول كرومر‎ ”ما دمت دبلوماسيًا وإداريًا فحسب» فإن مجال دراستى الصحيح هو الإنسان‎ أيضًاء وإن كان ذلك من وجهة نظر من يتولى حكم هذا الإنسان. .. وأنا‎ أقنع بالإشارة إلى أن الشرقى بصفة عامة» وبأسلوب ما» يعمل ويتكلم‎ ويفكر بطرائق مضادة تماما للأوروبى“ . وأوصاف كرومر تستند بطبيعة‎ الحال إلى الملاحظة المباشرة إلى حد ماء ولكنه أحيانًا ما يشير إلى الثقات من‎ المستشرقين المعتمدین فی تأیید آراثه (مثل إرنست رینان وقنسطنطین دی فولنی‎ بصفة خاصة). وهو يأخذ بآراء هذه الثقات حين يعرض لاأسباب اتصاف‎ الشرقيين بهذه الصفات. وهو لا يشك مطلقًا فى أن أي معرفة بالشرقى سوف‎ تؤكد آراءه وتنتهى بإدانة الشرقى» إذا استندنا إلى الخال الذى ضربه عن‎ انهيار المصرى عند التحقيق معه. وأما جريمة الشرقى فهى أنه شرقى» ومن‎ الأدلة الدقيقة على مدى القبول الذى كان هذا اللون من الحشو اللفظى أو‎ تعصيل الحاصل يتمتع به أنه كان يكتب دون استعانة بالمنطق الأوروبى أو‎ تناسق“ العقل الأوروبى. وهكذا فإن أى خروج عما يعتبر معايير السلوك‎ الشرقی کان يظّن به الشذوذ» ومن ثم فإن آخر تقریر سنوی آرسله کرومر من‎ مصر يعلن أن القومية المصرية ”فكرة جديدة كل الجدة“ وانها ”تبت غريب‎ . لم ينبت ويترعرع فى التربة المصرية“‎ وأعتقد أننا نخطئ إذا لم نقدر حق التقدير ذلك المستودع من المعرفة‎ الموثوق بصحتها“ ومن قواعد النظرة المعتمدة' إلى الشرقيين الذى كان‎ كرومر وبلفور يرجعان إليه فيما يكتبانه وفى سياساتهما العامة . والاقتصار‎

۾ نطاق الاستشراق م س

آ

على القول بأن الاستشراق تبرير منطقى للحكم الاستعمارى معناه أن نتجاهل مدی تبرير الاستشراق للحكم الاستعمارى وانطلاقه منذ البداية لا بعد أن حدث. فلقد دأب البشر دوامًا على تقسيم العالم إلى مناطق تتميز عن بعضها البعض بسمات حقيقية أو متخيلة» واستغرقت نشأة التحديد المطلق للشرق والغفرب» وهو التحديد الذى يقبله بلفور وكرومر بممثل ذلك الرضى عن الذات› سنوات بل قرونًاء شهدت رحلات استکشاف لا تحصی» وضروبًا من التلاقى عن طريق التجارة' والحرب» ولكننا نزى المزيذ» إذ برز منذ منتصف القرن الثامن عشر عنصران رئيسيان فى العلاقة بين الشرق والغرب. أما الأول فهو نمو المعرفة المنهجية عن الشرق فى أوروباء وهى المعرفة التى دعمها التلاقى الاستعمارى» إلى جانب انتشار الاهتمام با هو أجنبى وغير مألوف› وهو الاهتمام الذى استغلته العلوم التى كانت تنمو وتتطور» مشل علم الأعراق والسلالات» وعلم التشريح المقارن» وفقه اللغة» والتاريخ» كما أضيف إلى هذه المعارف المنهجية كم هائل من الآداب التى كتبها الروائيون والشعراء والمحرجمون والرحالة الموهوبون. وأما العنصر الآخحر فى العلاقات بين أوروبا والشرق فكان تمتع أوروبا على الدوام بموقع القوة» ولا أقول السيطرة. ولا أجد وسيلة للتلطف فى التعبير عن ذلك. صحيح أنه كان.من اللمكن إخفاء أو تخفيف صورة علاقة القوى بالضعيف» على نحو ما رأينا حين اعترف بلفور بأمجاد“ وعظمة الحضارات الشرقية» ولكن العلاقة الجوهرية على الأسس السياسية والثقافية بل والدينية كان ينظر إليها - فى الفرب» وهو ما يهمنا هنا - باعتبارها علاقة بين شريك قوى وشريك

ضعف .

.

وكان من يشيرون إلى هذه العلاقة يعبرون عنها بأوصاف كثيرة» وقد استخدم بلفور وكرومر» اللذان يثلانهم خير تمشيل» عددا كبيرا منهاء فالشرقى غير عقلانى» وفاسد (ضال) ومثل الطفل» و مختلف“؛ ومن ثم فإن الأوروبى عقلانىء وفاضل» وناضج» و ”سوى“. ولكن وسيلة إحياء العلاقة لم تكن تتغير» فكانت دائمًا ما تؤكد أن الشرقى يعيش فى عالم س الفصل الأول

خاص به وقد يكون هذا العالم مختلقًا ولكنه يخضع لتنظيم محكم» فله حدوده القومية والثقافية والمعرفية ومبادئ الاتساق الداخلى . وهكذا فإن عالم أبناء الشرق قد أصبح مفهومًاء أو يكن فهمه» واكتسب هويته» لا نتيجة مهود أبنائه بل نتيجة لسلسلة كاملة من الجهود القائمة على العلم والمعرفةء والتى بذلها الغرب لتحديد صورة الشرقء ومن ثم يلتقى عنصرا العلاقة اللقافية اللذان أناقشهما. أى إنه لما كانت المعرفة بالشرق قد تولدت عن القوةء فإنها تؤدى من زاوية معينة إلى خلق الشرق» ٠والشرقىء‏ وعالمه. فاللغة التى يستخدمها كرومر وبلفور تصور الشرقى فى صورة شىء يصدر المرء عليه الحكم (كما يحدث فى المحكمة) أو شىء يدرسه ار (کما هو الحال فى المقرر الدراسى) أو شىء ا ( كا دت ف المدرة ار فى السجن) أو شىء يرسم المرء له صورة توضيحية (كما نرى فى دليل مصور فى علم الحيوان). ومعنى هذا أن الشرقى فى كل حالة من هذه الحالات تحتويه وتمثله أطْر مسيطرة. فما مصادر هذه الأطر؟

ليست القوة الثقافية أمر نستطيع مناقشته بسهولة بالغة - ومن أغراض هذا الكتاب توضيح الاستشراق وتحليله وتأمله باعتباره صورة من صور ممارسة القوة الثقافية. وأآقول بعبارة أخرى إنه من الأفضل عدم المخاطرة بتعميمات حول هذه الفكرة البالغة الأهمية» أى القوة الثقافية ٠‏ حتى ننتهى من تحليل قدر كبير من المادة» ولكننا نستطيع أن نقول فى البداية إن الغرب قد افترض فى القرنين التاسع عشر والعشرين أن الشرق وكل ما فيه يحتاج إلى دراسة تصحيحية من جانب الغرب» وإن لم يكن الشرق وكل ما فيه فى موقع أدنى بره وا من وف االتر تد ركان رالرى طهر بى جور يحدها إطار قاعة الدرس» أو المحكمة الجنائية » أو السجن» أو الدليل المصور. والاستشراق إذن هو معرفة الشرق التى تضع كل ما هو ٬شرقى‏ فى قاعة الدرس» أو فى المحكمةء أو فى السجن أو فى الدليل المصور»ء بهدف الفحص الدقيق» أو الدرس. أو إصدار الأحكام» أو التأديب أو تولى الحكم فيه .

ولم يكن أحد مثل بلفور وكرومر يستطيع أن يقول ما قالاه وبالأسلوب

۾ طاق الاستشراق

چ

الذى قالاه به فى السنوات الأولى من القرن العمشرين»ء لو لم تكن قد سبقتهما تقاليد استشراق أقدم من تقاليد استشراق القرن التاسع عشر» فهيأت لهما المفردات والصور الشعرية» والأساليب البلاغية والتشبيهات التى توسلا بها. ومع ذلك فلقد دعم الاستشراق المعرفة المؤكدة بان أوروباء أو الغرب» تسيطر على القسم الأكبر إلى حد كبير من سطح الأرض» مثلما دعمت الاستشراق هذه المعرفة. فلقد تزامنت فترة التقدم الهائل فى مؤسسات الاستشراق ومضمونه تزامنًا دقيقًا مع فترة التوسع الأوروبى الذى لا نظير لهء ففی الفترة من ۱۸۱١‏ إلى ١۹۱٤‏ اتسع نطاق السيطرة الاستعمارية الأوروبية المباشرة من نحو ٠١‏ فى المائة من سطح الأرض إلى نحو ۸١‏ فى الماثة منه“ . وامتدت السيطرة إلى جميع القارات» ولكن نصيب آسيا وإفريقيا كان النصيب الأوفى . وكانت الامبراطوريتان البريطانية والفرنسية أكبر الامبراطوريات› وکان الجانبان حلیفین وشریکین فی بعض الامور» لکنهما کانا يتنافسان تنافس الأعداء فى أمور أحرى. كان نطاق الامبراطوريتين يمتد فى الشرق من سواحل البحر المتوسط إلى الهند الصينية والملايو وكانت أملاكهما الاستعمارية ومجالات نفوذهما متجاورة» كثيرا ما تتداخل» وكثيرًا ما يدور القتال بينهما عليها. ولكن الشرق الأدنى - أو قل أراضى الشرق الأدنى العربى - حيث يفترض أن الإسلام هو الذى يحدد الخصائص الثقافية والعرقية» كان المكان الذى التقى فيه البريطانيون والفرنسيون» مثلما واجهوا فيه ”الشرق" بأكبر قدر من الحدة والاألفة والتعقيد. وكانت نظرتهما المشتركة للشرق على مدار معظم سنوات القرن التاسع عشرء على نحو ما قال به لورد سولزبرى عام ١,؛,‏ تتضمن مشكلات بالغة التعقيد إذ قال ”إذا كان لديك . . . حليف مخلص يصر على التدخل فى بلد يهمك أمره إلى حد بعيدء فلك آن تختار طريقًا تسلكه من بين ثلائثة . لك أن تتخلى (عن ذلك البلد) أو أن تحتكره أو إن تارك ا(حليفك) فيه.. لى اشترنا الخاى لأصبح الفرشسيون بقطعون طريقنا إلى الهند. ولو اخترنا الاحتكار كنا نقترب كل الاقتراب من المخاطرة بحرب. وهكذا قررنا المشاركة“'.

الفصل الأول

ولقد تقاسماه فعلاًء وبأاشکال سوف نبحٹها بعد قلیل» وأما ما اشترکا فيه فلم يقتصر على الأرض أو الربح أو الحكمء لكنه كان نوع السلطة الفكرية الذى أطلَقت عليها فيما سبق تعبير الاستشراق . كان الاستشراقء من راوية معينةء معلومات مختزنة فى مكتبة أو فى قاعة محفوظات» أو أرشيف› يشارك فيها المجميع» وتحظى بعض جوانب هذه المعلومات بالإجماع على صحتها. سوأما العامل الذى كان يربط المواد الأرشيفية بعضها إلى البعض فكان ”أسرة من الأفكار“""'“ ومجموعة من القيم التى ثبتت فعاليتها بشتى الأشكال» فكفلت الوحدة لهذه المعلومات. وكانت هذه الأفكار تشرح سلوك الشرقيين وتنسب إلى الشرقيين عقلية“ خاصة ونسبا ينحدرون منه» وجو خاصضًا بهم والأهم من ذلك کله آنها سمحت للأوروبيين بان يعاملوا الشرقيين بل وآن ينظروا إليهم باعتبارهم ظاهرة ذات خصائص منتظمة . ولكن هذه الأفكار الاستشراقيةء شأنها فى ذلك شأن أى مجموعة من الأفكار» كان لها تأثيرها فيمن يسمون شرقيين أو غربيين أو أوروبيين. وبايجاز» من الأفضل لنا أن نفهم الاستشراق باعتباره مجموعة من القيود والحدود المغروضة على الفکر أکثر من کونه مجرد مذهب إیجابى. وإذا كان جوهر الاستشراق هو التمييز المحأصل بين التفوق الغربى والدونية الشرقية» فلابد أن نستعد لملاحظة أن تطور الاستشراق ومراحله التاريخية اللاحقة عمقت ذلك التمييز وزادته صلابة. وعندما أصبح المعمول به أثناء القرن التاسع عشر أن تحيل

بريطانيا الإداريين البريطانيين فى الهند وغيرها إلى التقاعد إذا بلغوا سر"

الخامسة والخمسين» كان ذلك إيذانًا بان الاستشراق قد شهد تشذيبًا وتنميقًا جديداء إذ لم يكن يسمح قط لأحد من آبناء الشرق بان يرى الغربى إذا تقدم فى السن وتدهورت أحواله» مثلما لم يكن أى غربى مضطرا لرؤية ذاته منعكسة صورتها فى عيون الجنس المحكومء أو أن يرى شينًا يخالف صورته باعتباره إداریا شديد الباس» عقلانياء لا تغفل عینه عن شیء آبداء کانه آمیر

دى .

ھ نطاق الاستشراق ۾ س

3

واتخذت الأفكار الاستشراقية عددا من الأشكال المختلفة أثناء القرنين التاسع عشر والعشرين» إذ كانت أوروبا.حافلةء أولاء بكتابات بالغة الكثرة عن الشرق» ورثتها من الماضى الأوروبى» وكانت فترة أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر» وهى الفترة التى تفترض هذه الدراسة أن الاستشراق الحديث قد بدأ فيهاء تتميز بقيام ”نهضة شرقية“ على نحو ما وصفه إدجار كينيه""'. فقد بدا فجأة لشتى ألوان المفكرين والسياسيين والفنانين أن وعيًا جديدا بالشرق الذى يمتد من الصين إلى البحر المتوسط قد نشأ» وكان هذا الوعى» إلى حد ماء من ثمار اكتشاف وترجمة النصوص الشرقية القدية المكتوبة باللغات السنسكريتية » والزندية» والعربية؛ كما كان أيضًا نتيجة الرؤية الجديدة للعلاقة ما بين الشرق والغرب. وفى حدود ما ترمى إليه دراستى الحالية» كان محور العلاقة قد حدده غزو نابليون لمصر فى

عام ۱۷۹۸ فيما يتعلق بالشرق الأدنى وأوروباء وهو الخزو الذى كان يمثل›

من عدة زواياء النموذج الصادق للاستيلاء العلمى الحقيقى على ثقافة ما» من جانب ثقافة أخرى أقوى منها فيما يظهر. إذ إن احتلال نابليون لمصر آذن بدوران عجلة الروابط بين الشرق والغرب» وهى التى لا تزال سائدة فى منظوراتنا الثقافية والسياسية المعاصرة» كما إن حملة نابليون» بما أفرزته من ثمار القرائح العلمية الجحماعية العظيمة والتى يحفظها لنا كتاب وصف مصر› قد أعدت المشهد أو الإطار الذى ازدهر فيه الاستشراق» إذ أصبح ينظر إلى مصر ومن بعدها البلدان الإسلامية الأخرى بصفتها المجال أو المختبر أو المسرح الحى للمعرفة الغربية عن الشرق. وسوف أعود إلى المغامرة النابليونية ن

وقد أدت أمثال هذه الخبرات التى أتاحها نابليون إلى تحديث المعرفة بالشرق لدى الغرب» وكان ذلك هو الشكل الثانى الذى اتخذه الاستشراق فى القرنين التاسع عشر والعشرين. فمنذ مستهل الفترة التى آتناولها بالدراسة شاع بين المستشرقين الطموح إلى صياغة مكتشفاتهم وخبراتهم ونظراتهم الثاقبة صياغة مناسبة بالملصطلح الحديث» وأن يقَرّبوا تقريبًا شديدا بين الأفكار

س الفصل الارل

الخاصة بالشرق وبين حقائق الواقع الحديث. فكانت البحوث اللغوية التى أجراها ريتان» على سبيل الالء للات السامية فى عام ۱۸١۸‏ مكتوية اتلري شن اما ك عن ل ر رات ار اقا المعاصرة» ونظريات علم التشريح المقارن» والنظريات العنصرية » وهى التى حققت لمذهبه فى الاستشراق مكانة رفيعة» ولكنها - وهذا هو الوجه الآخر للعملة - كانت عرض الاستشراق للتأثر بتيارات الفكر الحديثة الطراز وذات النفوذ الخطير فى الغرب» وهو ما لم يتوقف حتى هذه اللحظة . فلقد تلون الاستشراق بأالوان الإمريالية» والفلسفة الوضعية» والطوباوية» والتاريخية والداروينية» والعنصريةء والفرويديةء والماركسية» والشبنجلرية. ولكن الاستشراق» شأنه فى ذلك شأن الكثير من العلوم الطبيعية والاجتماعية»› كانت ولا تزال له ”نماذج“ بحثيةء إلى جانب الجمعيات العلمية الخاصة به ومؤسسته الخاصة. وقد ارتفعت مكانة هذا المجال ارتفاعا هائلاً فى القرن التاسع عشرء مثلما ذاع صيت ونفوذ بعض المؤسسات مثل الجمعية الآسيوية الفرنسية» والجمعية الآسيوية الملكية الإنجليزية والمجمعية الشرقية الأ مانية والجمعية الشرقية الأمريكية . وقد ازداد باردياد ونمو هذه المحمعيات عدد كراسى الأستاذية فى الدراسات الشرقية» فى طول أوروبا وعرضهاء ومن ثم ازدادت الوسائل الماحة لنشر الاستشراق» وأدى نشر مجلات الاستشراق الدوريةء ابتداء بمجلة ”استكشاف الشرق" الا لانية عام ۱۸٠۹‏ إلى مضاعفة كمية المعرفة وكذلك عدد التخصصات الفرعية .

ولكن القدر الاكبر من هذا النشاط والعدد الأكبر من هذه المؤسسات لم يكن يتمتع بالحرية لا فى وجوده أو فى ازدهاره» إذ إن الاستشراق» فى الشكل الثالك الذى اتخذه. كان يفرض حدودا على التفكير فى الشرق. بل إن اعفت لكاب مخ ل فلر تر او فال ان رط کان عزوق بالقيود فى خبراتهم بالشرق أو فيما يقولونه عنهء إذ كان الاستشراق فى نهاية الأمر رؤية سياسية للواقع» وكان بناء هذه الرؤية هو الذى يعزز الفرق بين الآلوف (أوروبا أو الغرب أو ”نحن ) وبين الغريب (الشرق» أو ”هم )

و اق الا را و

Rm

102

ومن راوية معينة أدت هذه الرؤية إلى خلق هذين العالمين بهذه الصورة ثم عملت على ترسيخها. فكان الشرقيون يعيشون فى عالمهم» و ”نحن“ نعيش فى عالمنا. وكانت الرؤية والحقيقة المادية يساندان بعضهما البعض» وكانت كل منهما تكفل الاستمرار لصاحبتها. ولكن ابن الغرب كان دائمًا ما يتمتع بقدر معين من الحرية فى الخطاب“ أى فى التفكير والكلام» فما دامت ثقافته هى الأقوى» فهو يستطيع أن ينفذ إلى اللغز الآسيوى الأعظم» كما أسماه دررائیلی ذات يوم» وأن يصارعه وأن يضع له شكلاً ومعنى. لكننى أعتقد أن من سبقونى قد أغفلوا القيود التى تحد من المفردات التى يستخدمها صاحب مثل هذه المزية» كما أغفلوا الحدود النسبية لمثل هذه الرؤية. وحجتى تقول إن واقع الاستشراق معاد للإنسانية ومستمر بإلحاح» وإن نطاقه» مثل مؤسساته وتأثيره النفاذ الشامل» لا يزال قائمًا حتى وقتنا الحاضر.

ولكن ما أسلوب عمل الاستشراق فى الماضى والحاضر؟ كيف نستطيع أن نصفه بأنه ظاهرة تاريخية» وطريقة تفكير» ومشكلة معاصرة» وواقع مادى فى الوقت نفسه؟ انظر من جديد إلى كرومر» فهسو خبير فنى ماهر من خبراء الامبراطورية» وهو كذلك من المنتفعين بالاستشراق» وهو قادر على أن يقدم لنا إجابة أولية . إنه يعالج فى مقاله ”حكم الأجناس المحكومة““ مشكلة محددة وهی كيف تستطيع بريطانيا» وهى آمة من الأفراد» إدارة امبراطورية شاسعة الأرجاء وفق عدد من المبادئ الأساسية» فيقيم التضاد بين ”المندوب الملحلى““ الذى يتمتع بمعرفة البير بأبناء البلد وبنزعته الفردية الانجلوسكسونية› وبين السلطة المركزية فى بلده» أى لندن. فالاول قد يقدم على معالحة موضوعات ذات أهمية محلية بطريقة تهدف إلى الإضرار بمصالح الامبراطورية أو إلى تعريضها للخطر. وتشغل السلطة المركزية الموقع الذى يمكنها من إزاحة أى خطر قد ينشا عن ذلك“ . لاذا؟ لان هذه السلطة تستطيع أن ”تكفل التشغيل المتناغم لشتى أجزاء الآلة“ ”وعليها أن تحاول» قدر الطاقةء إدراك الظروف المحيطة بحكومة البلد التابعة لها“ '. اللغة غامضة ومفرةء

وإن كان من اليسير إدراك مرمى كرومر» إذ إنه يتصور وجود مقر سلطة فى

الفصل الأول

الغرب» تخرج منه: تجاه الشرق آلة ضخمة شاملة تغذى السلطة المركزية ولو آنها تأتعر بأمرها. وما تنقله فروع الآلة فى الشرق إليها - سواء كان ذلك مادة إنسانية ٠‏ أو ثروة مادية أو معرفة - تتولى الآلة معالجته وتصنيعه ثم تحويله إلى مزيد من السلطة . والمتخصص يقوم بالترجمة المباشرة للمادة الشرقية العاطلة إلى مادة مفيدة: فالشرقى يتحول» مثلاًء إلى جنس محكوم» أو إلى نموذج للعقلية ”الشرقية“ » وكل ذلك فى سبيل تدعيم ”السلطة“ فى الوطن. ”فالاهتمامات المحلية“ هى اهتمامات المستشرق الخاصة»› وأما ”السلطة المركزية“" فتمثل المصلحة العامة لمجتمع الامبراطورية ككل. وكرومر يدرك بدقة مسالة ”إدارة المجتمع للمعرفة“ أى حقيقة أن المعرفة - مهما تكن خاصة - تخضع أولا للتنظيم من خلال الاهتمامات المحلية للمتخصص» وبعدها وفقًا لجهاز السلطة الاجتماعى» والتفاعل بين الاهتمامات المحلية والمركزية معقد» ولكنه ليس جزافيًا على الإطلاق.

ویری کرومر باعتباره إداريًا إمپرياليًا آن ””مجال الدراسة الصحيح هو الإنسان أيضًا“. حسبمايقول. وعندما أعلن الشاعر آلکسندر پوپ أن الدراسة الصحيحة للجنس البشرى هى نفس الإنسان» كان يعنى جميع الناس» بمن فيهم ”الفقير الهندى“ ولكن استخدام كرومر لكلمة ”أيضًا“ يذكرنا أن بعض الناس» مشل الشرقيين يمكننا أن نختصهم بالدراسة ”الصحيحة““ . والدراسة الصحيحةء بهذا المعنى» للشرقى هى الاستشراق› ومن الصحيح أن تكون منفصلة عن الأشكال الأخرى للمعرفة» ولكنها فى النهاية مفيدة (لأنها محددة) للواقع المادى والاجتماعى الذى يحيط بكل معرفة فى آى لحظة» فيدعمها ويفتح أبواب الانتفاع بها. وهكذا يقوم نظام للسيادة يمتد من الشرق إلى الغرب» ويثل سلسلة وجود وهمية أى مراتب وهمية للموجودات عبر عنها الروائى والشاعر رديارد کپلنج ذات يوم أوضح تعبير

قاتلا :

سواء کان بغلاً آو حصانًا أو فيلا آو ثورًا فهو يطيع سائقه»

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

103

۳

مثلما يطيع السائق الرقيب (الجاويش) ويطيع الرقيب الملازم» ويطيع اللازم النقيب» ويطيع النقيب الرائدء ويطيع الرائد العقيد» ويطيع العقيد العميد الذى يتمتع بقيادة ثلاثة أفواج (آلایات)› ويطيع العقيد اللواء الذى يطيع نائب الملك الذى هو خادم الملكة*.

ويستطيع الاستشراق أيضًا أن يعبر عن قوة الغرب وضعف الشرق» من وجهة نظر الغرب» بصورة توارى هذه الصورة البالغة التزييف لسلسلة القيادة البشعة» وتوازى الإدارة القوية لما أسماه كرومر ”التشغيل التناغم““ . ومثل هذه القوة وهذا الضعف يكمنان فى صلب النظرة الاستشراقية مثلما يكمنان فى صلب أى نظرة تقسم العالم إلى أقسام أو كيانات عامة كبيرة تعيش مع بعضها البعض فى جو من التوتر الذى يعتقد أنه وليد اختلاف جذرى.

وتلك هى القضية الفكرية الرئيسية التى يثيرها الاستشراق. هل يستطيع المرء تقسيم واقع الإنسانية» ما دام هذا الواقع دو قا مقا على إلى ثقافات وتواريخ وتقاليد ومجتمعات بل واجناس تختلف اختلافا بيا ثم ينجو من العواقب بصورة إنسانية؟ وبالنجاة من العواقب بصورة إنسانية أقصد أن أسأل إن كان لدينا سبيل لتجنب العداء الذى يعبر عنه التقسيم» وليكن تقسيم الناس إلى فريقنا ”نحن (الغربيين) وفريقهم ”هم“ (الشرقيين). فالواقع أن أمثال هذه التقسيمات كان القصد من استعمالها تاريخيًا وفعليًا تأكيد أهمية التمييز بين بعض الناس وبعضهم الآخر لغايات لم تكن تدعو فى العادة إلى الإعجاب بصورة خاصة. وعندما يلجا المرء إلى استخدام التقسيم إلى ففات مثل الشرقى والغربى باعتباره نقطة الانطلاق والغاية من التحليل والبحث ووضع السياسات العامة (على نحو ما استخدم بلفور وكرومر هاتين الفئتين) فالنتيجة عادة ما تكون استقطاب التمييز - أى زيادة ”شرقية“ الشرقى و "غربية الغربى - والحد من التلاقى الإنسانى بين الثقافات والتقاليد والمجتمعات المختلفة . وبإيجاز نجد آن الاستشراق - وذلك منذ أولى مراحل تاريخه الحديث حتى الوقت الحاضر» وباعتباره منهاجًا فكريًا للتعامل مع كل س الفصل الأول

ما هو أجنبى - قد اتضحت فيه سمة ميزة وهى سمة الجنوح المؤسف لأى معرفة قائمة على ضروب التمييز القاطعة مثل تييز ”الشرق“ عن ”الغرب“ : أى تقديم الفكر فى قناة غربية أو قناة شرقية . ولا كان هذا الجنوح يكمن فى مركز النظرية والممارسة والقيم الاستشراقية لدى الغرب» أصبح مفهوم سلطة الخرب على الشرق مسلَمًا به باعتباره يتمتع بمكانة الحقيقة العلمية .

ولابد أن تتضح هذه الملاحظة تامًا إذا ضربنا مثلاً معاصراً أو مثلين. فمن الطبيعى لأصحاب السلطة أن يستعرضواء من وقت لآخر» أحوال العالم الذى عليهم أن يتعاملوا معه. وكثيرًا ما فعل بلفور ذلك مثلما يفعله معاصرنا هنری کيسنجر» ويندر أن يكون ذلك بصراحة ووضوح أكبر مما جاء فى مقالته ”البناء الداخحلى والسياسات الخارجية . والدراما التى يصورها حقيقية» وفيها ينبغى على الولايات المتحدة أن توازن فى كل ما تفعله فى العالم بين ضغوط القوى الداخلية وبين حقائق الواقع فى الخارج» ولهذا السبب وحده لابد أن يقيم کلام کسینچر استقطابًا بين الولايات المتحدة وبين العالم» ويضاف إلى ذلك» بطبيعة الحال» أنه يتكلم واعيًا باعتباره الصوت الرسمى للدولة الغربية الكبرى» وهى التى أدى تاريخها الحديث وراقعها الحاضر إلى الموقف الذى تقفه أمام عالم لا يقبل بسهولة سلطانها وسيادتها. ويشعر كسينجر أن الولايات المتحدة تستطیع أن تتعامل مع الغرب الصناعى المتقدم دون أن تصادف المشكلات التى تصادفها مع العالم النامى. وهنا أيضًا نرى أن الواقع المعاصر للعلاقات بين الولايات المتحدة وما يسمى بالعالم الثالث (وهو الذى يضم الصين» والهند الصينيةء والشرق الأدنى» وإفريقياء وآمريكا اللاتينية) يتكون» بوضوح» من مجموعة شائكة من المشاكل» وهو ما ل يستطیع آن یخفیه أحد حتی کیسنچر نفسه.

أما منهاج کیسنچر فى مقاله فينطلق مما يسميه اللغويون التعارض الثنائى : أى إنه يبين وجود آسلوبين من أساليب السياسة الخارجية (النبوئى والسياسى) ونمطين من فن الصنعة› وفترتین» .وهلم جرًا. وعندما يصل إلى نهاية القسم التاريخى من حجته ويجد أنه يواجه العالم المعاصرء يقسمه وفق منهاجه إلى

ھ نطاق الاستشراق ۾ س

mm

|

نصفين هما البلدان المتقدمة والبلدان النامية. فأما القسم الأولء وهو الغرب»› فيقول إنه ”يلتزم التزامًا عميقًا بأن العالم الحقيقى يوجد خارج الناظر إليهء وبأن المعرفة تتكون من تسجيل وتصنيف البيانات - وكلما زادت دقتها كانت آفضل“ . وبرهان کیسنچر على ذلك هو الشورة التى أحدثها إسحق نيوتن› عالم الفيزياءء والتى لم تحدث فى العالم النامى» وهكذا ””فإن الثقافات التى لم تصبها الآثار المبكرة للتفكير النيوتونى لا تزال تحتفظ بالنظرة التى ترجع فى جوهرها إلى ما قبل عهد نيوتن وهى التى تقول إن العالم الحقيقى يوجد بصورة كاملة تقريبًا داخل الناظر إليه“ ويضيف قائلاً إن ذلك قد آدى إلى أن أصبحت ”للحقيقة الإمبريقية أو التجريبية دلالة تختلف اخحتلافا كبيرًا لدى الكثير من البلدان الحديدة عنها لدى الغرب» وذلك لأن هذه البلدانء بمعنى من المعانىء لم تمر يومًا ما بمراحل اكتشاف هذه الحقيقة““"'.

وعلى العکس من کرومر» لا يحتاج کیسنچر إلى الاستشهاد باقوال السير الفريد لال لإثبات عجز الشرقى عن توخى الدقة» إذ يرى أن قضيته لا خلاف عليها ومن ثم فهى لا تحتاج إلى أسانيد خاصة: فلقد كانت لنا ثورتنا النيوتونية ولم يكن لديهم ما يماثلهاء ونحن أقدر منهم على التفكير. لا باس» إذن فقد رُسمّت الخطوط آخيرًا بشكل يقترب اقترابًا كبيرًا من خطوط بلفور وكرومر. ومع ذلك فإن الفترة التی تفصل کیسنچر عن الإمپرياليين البريطانيين تبلغ ستين عامًا أو أكثرء ولقد أثبت العديد من الحروب والثورات فيهاء وبصورة قاطعة» أن الأسلوب ”النبوئی“ الذى ينسبه کسینچر إلى البلدان النامية ”غير الدقيقة“ وإلى أوروبا قبل مؤتمر فييناء لم يعجز عن تحقیق بعض النجاحات» ومن ثم یری کیسنچر» على عکس بلفور وکرومر» آنه مضطر إلى احترام هذا المنظور السابق لنيوتنء ””لأنه يهئ المزيد من المرونة فيما يتعللق بالقلاقل الثورية المعاصرة““ . وهكذا فإن واجب الناس فى عالم ما بعد نيوتن» (وهو العالم الحقيقى) ان ”يبنوا نظامًا دوليًا قبل آن تفرضه إحدى الأزمات بالضرورة“ » وبعبارة أخرى لا يزال علينا ”نحن“ أن نعشر على أسلوب لاحتواء العالم النامى. ألا يشبه ذلك رؤية كرومر لآلة متناغمة

الفصل الأول

التشغيل هدفها النهائى تحقيق فائدة ماء لسلطة مركزية ماء فى معارضة العالم النامى؟ ۰

وربا لم یکن کیسنچر يعرف أى نسب عريق يتمتع به ”الرصيد؟ المعرفى الذى ‏ يسحب“ منه حين قسم العالم إلى قسمينء أحدهما سابق لنيوتن والآحر لاحق عليه» ولكن تييزه بينهما مطابق للتمييز ”المعتمد لدى المستشرقين الذين يفصلون بين أبناء الشرق وابناء الغرب. وتییز کیسنچر» مثل تمييز المستشرقين» ليس بريئًا من أحكام القيمة» على الرغم من نغمة الحياد الظاهرة. وهكذا فإن كلمات معينة مثل ”نبوثى“ و”الدقة“ ٠‏ و”داخلى“ » و الحقيقة الإمبريقية“ ٠‏ و”النظام“ تنتشر فى شتى أرجاء وصفه وهى التى تتميز بها إما بعض الفضائل ”الجذابة“ والمالوفة والمستحبةء أو بعض المثالب الشاذة والفوضوية التى تنذر بالخطر. ويشترك المستشرق التقليدى مع کیسنچر» كما سوف نرى» فى القول بأن الاخبتلاف بين الثقافات ينشئ» أولاء جبهة قتال تفصل بيتهماء. ويدعو الغرب» ياء إلى أن يتحكم .فى الآخر“ ويحتويه أو يحكمه (من خلال التفوق فى المعرفة والسلطة اللارمة لتطويعه). ولا يحتاج أحد فى الوقت الحاضر إلى من يذكُره بالآثار المترتبة على الحفاظ على أمثال هذه التقسيمات القتالية“ ومدى تكاليفها الباهظة .

وهاك مثالا آخر یرتبط بیسر - وربا بيسر أكبر عا ينبغى - بالتحليل الذى يقدمه كيسنر. فلقد نشرت المجلة الأمريكية للطب التفسى» فى عددما الصادر فی فبرایر ۱۹۷۲ مقالا كتبه هارولد و.جليدنء قالت المجلة إنه كان قبل تقاعده عضواً فى مكتب الاستخبارات والبحوث التابع لورارة الخارجية الأمريكية . ويتضح من عنوان المقال (وهو ”العالم العربى“ ) ومن نغمته ومن مضمونه أنه ثل موجهًا فكريًا من اشد خصائص التفكير الأستشراقى. وهكذا يقدم جلیدن فى مقاله الذى يقع فى أربع صفحات» كل منها من عمودين› صورة سيكلوجية لما يزيد عن مائة مليون شخص» وهو يبحث هذه الصورة فى فترة تزيد على ٠١٠١‏ سنةء ولا يعتمد فى آرائه إلا على أربعة مصادر هى: كتاب صدر قبل فترة قصيرة عن طرابلس» وعدد واحد من صحيفة

۾ نطاق الاستشراق وس

الأهرام الملصرية» ودورية عنوانها أورينتى مودرنو» وكتاب كتبه مستشرق مشهور يدعى ماجد قدورى. أما المقالة نفسها فتقول إنها تعتزم الكشف عن ”العوامل الداخحلية للسلوك العربى“ وهو سلوك نراه من وجهة نظرنا ”نحن“ ”منحرقًا“ ولكن العرب يعتبرونه ”طبيعيًا“ . وبعد هذه المقدمة التى تبشر بالخير» يقول لنا الكاتب إن العرب يؤكدون أهمية الاتفاق مع كل ما هو سائدء وإن المرب يعيشون فى كنف ثقافة ‏ العار“ أو الخزى“ وأن لهذه الثقافة ”جهار صیت و هة“ يتضمن القدرة على اجتذاب الاتباع والعملاء (ئم يقول لنا فى لفتة جانبية إن ”المجتمع العربى يقوم حاليًاء كما كان شأنه دائمّاء على نظام المشاركة بين الراعى والعميل“ ٠)‏ وإن العرب لا يستطيعون العمل إلا فى مواقف الصراع؛ وإن الهيبة لا ڌ sm‏ السيطرة على الآخرين؛ وإن ثقافة العار“ - والإسلام نفسه من تم - يعبر الثارَ فضيلة (وهنا يستشهد جليدن استشهاد المنتصر بما نشرته صحيفة الأهرام فی عددها الصادر ۲۹ ونيو ۱۹۷۰ء حين يبين أنه ”فى حالات القتل العمد التى بض فيها على الجناةء وكانت تبلغ ٠١۷١‏ حالة عام ۱۹۹ إفى مصر! اتضح أن ۲١‏ فى المائة من جرائم القتل كانت بسبب الرغبة فى غسل العار» و٠۳‏ فى الائة بسبب الرغبة فى الانتقام من مظالم حقيقية أو متوهمة» و ٠١‏ فى المائة بسبب الرغبة فى الأخذ بالثار للأقارب“ ثم يقول إنه إذا كانت وجهة النظر الغربية تقول ”إن الطريق العقلانى الوحي أمام العرب هو طريق السلام... فالعرب لا يرون أن الحالة الراهنة تخضع لهذا المنطقء لان لوتر ليست من الفضائل فى نسق القيم ا

ويواصل جليدن حديثه» بحماس أكبر هذه المرةء قائلاً ”من الحقائق البارزة آنه إذا كان نسق القيم العربى يتطلب التضامن داخل اللجموعة» فإنه يشجع أفرادها فى الوقت نفسه على نوع من المنافسة يؤدى إلى تدمير ذلك التضامن نفسه“ ٠‏ ويضيف أنه ”لا عبرة إلا بالنجاح“ فى عالم ”يتميز بالقلق ا الشك والريبة العامة» وهى التى أطلق عليها تير الندرانة الطليقة““ ؛ ”وإن فن التحايل والتملص فن بالغ التقدم فى الحياة العربية وفى

س الفصل الأول

الإسلام نفسه كذلك“ ويقول إن حاجة العربى إلى الثأر تتجاوز كل شىء هره واد ال ياعد الر ار شمر انار الدى ٠‏ بعر ذه + رها فاه كان ”الغربيون يعتبرون أن السلام يشغل مكانة رفيعة على سلّم القيم“ وإذا ”كان لدينا فعلاً وع بالغ الحدة بقيمة الزمن“ ٠‏ فإن ذلك لا يصدق على العرب. ويضيف قائلاً: ”فى واقع الأمر كانت الحرب لا آلسلم هى ما ثل الوضع الطبيعى فى المجتمع القبلى العربى (وهو المصدر الذى خرجت منه القيم العربية) لأن الغزو كان إحدى الدعامتين الرئيستين للاقتصاد“ . وأما الفرض من هذا البحث العلمى“ الملسهب فهو أن يبين وحسب كيف ”تختلف المواقع النسبية اللعناصر اختلاقًا بيا“ بين سلّم القيم الغربية وسلم القيم الشرقية . وهذا هو المطلوب إثباته".

هذا هو أوج الثقة الاستشراقية» فالكاتب لا ينكر على أى تعميم مزعوم وحسب أن يكتسب شرف الحقيقة » ولا يجد قائمة نظرية للصفات الشرقية دون تطبيقها على سلوك الشرقيين فى العالم الواقعى. فمن ناحية يوجد الغربيون» وفى مقابلهم يوجد الشرقيون العرب» وأفراد الجحانب الأول يتصفون بآنهم (دون ترتيب معين للصفات) عقلانيون» مسالمون» متحررون» منطقيون» قادرون على الاستمساك بقيم حقيقيةء بريئون من الريبة الطبيعية› وأفراد الجانب الآحر لا يتصفون بائ منها. تّرى من أى نظرة جماعية للشرق. على حفولها بالتفاصيل الخاصةء حرجت هذه الأقوال؟ ترى أية مهارات ST‏ وضغوط خيالية» وأية مؤسسات وتقاليد» وأية قوى ثقافية أدت إلى هذا التماثل فى أوصاف الشرق بين كرومر وبلفور ورجال السياسة المعاصرين لنا؟

د نطاق الاستشراق ۾ س

109

ثانیا الجغرافيا الخيالية وصورها

إضفاء الصطات الشرقية على الشرقى

الاستشراق بالمعنى الدقيق مجال من مجالات البحث العلمى. ويعتبر الغرب المسيحى أن الاستشراق قد بدأ وجوده الرسمى بالقرار الذى اتخذه مجلس الكنائس فى مدينة فيين الفرنسية بإنشاء سلسلة من كراسى الاأستاذية للغات العربية» واليونانية » والعبرية» والسريانية فى پاريس» وأوكسفورد» وبولونیاء وأفینیون» وسالامانکا“ ”' ولکن آی تناول للاستشراق يجب ألا يقنتصر على النظر فى آمور المستشرق المحترف وعمله بل أن يشمل الفكرة نفسهاء أى فكرة وجود مجال دراسى يقوم على وحدة جغرافية وثقافية ولغوية وعرقية تسمى الشرق. والمجالات» بطبيعة الحال» من وضع البشرء وهى تكتسب التماسك والتكامل على مر الزمن لأن الباحثين يكرسون جهودهم بطرائق شتى لدراسة الموضوعات التى تبدو متفقًا عليها. ومع ذلك» فغنى عن القول أن تحديد المجال الدراسى نادرًا ما يتسم بالبساطة التى يزعمها حتى أشد الملتزمين به» وهم عادة من الباحثين والأساتذة والخبراء ومن إلى ذلك. كما إن المجال قد يتعرض لدرجة من التغيير الشامل - حتى فى مجالات البحث التقليديةء مشل فقه اللغة أو التاريخ أو اللاهوت - بحيث يصبح فى عداد المحال تقريبًا وضع تعريف يصلح لجميع الأغراض. ويصدق هذا بالتأكيد على الاستشراق» لبعض الأسباب الطريفة .

فالحديث عن التخصص العلمى باعتباره مجالا جغرافيا"" له» فى حالة الاستشراق» دلالة واضحة» فليس من المحتمل أن يتصور أحد وجود مجال مناظر له يسمى الاستغراب“ . وهذه البداية وحدها قد تفصح عن خحصوصية موقف الاستشراق بل وربا شذوذ موقفه. فإنه إذا كانت مباحث علمية كثيرة توحى باتخاذ موقف معين إزاء شىء ماء وليكن مادة إنسانية

الفصل الأول

معينة » (مثلما يعالج المؤرخ الماضى البشرى من موقع رؤية خحاصة فى الحاضر) فإننا لا نستطيع القياس على ذلك هنا قياسًا حقيقيًا فنتخذ موقعًا ثابتاء وجغراضًا بصورة كاملة تقريًاء إزاء مجموعة بالغة التنوع من الحقائق الاجتماعية واللغوية والسياسية والتاريخية . فدارس الآداب الكلاسيكية» أى اليونانية واللاتينية القدية» ودارس اللغات الرومانسية أى اللغات ذات الأصل الرومانى» أو حتى دارس التاريخ والشقافة الأمريكية يركز بحثه فى قسم متواضع من العالم لا فى نصف كامل من هذا العالم. ولكن الاستشراق مجال يتسم بطموح جغرافى كبير. ولا كان المستشرقون قد شغلوا أنفسهم بصورة تقليدية بالأمور الشرقية (فالذين يدعون أنفسهم مستشرقين يطلقون هذا الاسم على المتخصص فى الشريعة الإسلامية مثلما يطلقونه على الخبير باللهجات الصينية أو بالاأديان الهندية) كان علينا أن نستعد لتقبل حجم الاستشراق الهائل وبناءه الجزافىء إلى جانب إمكان تقسيمه إلى أقسام فرعية تكاد لا تنتهى» وأآن نعتبر أن ذلك من السمات الرئيسية للاستشراق والدليل عليه هو الخلط الذى يسبب البلبلة بين الغموض الإمپريالى والتفاصيل الدقيقة . ۰

كل هذا يصف الاستشراق باعتباره مبحتًا أكاديِيًاء والصورة الصرفية للكلمة وظيفتها الإصرار على تييز هذا البحث عن كل نوع سواه. وكانت القاعدة فى تطوره التاريخى باعتباره مبحنًا أكاد ييا هى توسيع نطاقه لا ريادة الطابع الانتقائى. وكان مستشرقو عصر النهضة الأوروبية» مثل إرنيوس وجيوم پوستيل» فى المقام الأول من المتخصصن فى لغات أقاليم الكتاب المقدس» وإن کان پوستیل يتفاخر بأنه يستطيع آن يعبر قارة آسیا حتی يصل إلى الصين دون أن يحتاج إلى مترجم. وبصفة عامة كان المستشرقون حتى منتصف القرن الثامن عشر من الباحثين فى الكتاب المقدس» ودارسى اللغات الساميةء والمتخصصين فى الدراسات الإسلاميةء أو - بعد أن فتح اليسوعيون باب دراسة الصين - من المتاخصصين فى دراسة الصين. ولم يكن الاستشراق قد تمكن أكادييا من فتح منطقة وسط آسيا الشاسعة حتى أواخر القرن .الثامن

ھ نطاق الاستشراق م س

عشر حين استطاع أنكتيل ديبرون والسير وليم جونز أن يكشفا ويشرحا الثروات الفذة التى تحفل بها اللغتان الأڈستيه والسنسكريتية. وبحلول منتصف القرن التاسع عشر كان الاستشراق قد أصبح خزانة ذات أبعاد هائلة لكنوز من الدراسات العلمية. ولدينا مؤشران ممتاران لانتصار هذه النزعة الانتقائية الحذيدةء أحدهما هو الوصف الموسوعى للاستشراق فى الفترة من ٠۷١١‏ إلى ٠‏ تقريبًاء وهو الذى قدمه ريمون شواب فى كتابه النهضة الشرقية" . فإلى جانب المكتشفات العلمية التى قام بها المحترفون من العلماء لكل ما هو شرقى خلال هذه الفترة فى أوروباء انتشر الولع بالفنون والآداب الآسيوية (وخحصوصصًا فنون الشرق الأقصى) انتشار الوباء الذى أصاب جميع كبار الشعراء وكتاب المقالات والفلاسفة فى تلك الفترة. وكان شواب يرى أن صفة ”الشرقى“ تعنى تحمس الهواة أو المحترفين لكل ما هو آسيوى» وكانت تلك الصفة مرادفة لكل ما كان غريبًا وغامضًا وعميقًا واساسيًاء ومن ثم رائعًاء ويعتبر ذلك الولع بالشرق تحولا لولع ماثل فى أوروبا بالآثار اليونانية واللاتينية القديمة فى أوج عصر النهضة أى إنه كان تحولا فى الاتجاه إلى

:الشرق» عبر عنه ٹكتور هوجو عام ۱۸۲۹ على النحو التالى: ”كان المرء فى

اقرن لويس الرابم عشر مولعًا باليونانء آما الآن فهو مستشرق“"' وهكذا

فقد كان لفظ المستشرق فى القرن التاسع عشر. يعنى الباحث (المتخصص فى

الدراسات الصسينية أو اللإسلامية أو اللغات الهندية الأوروبية) أو المتحمس الموهوب (مثل هوجو فى كتابه المستشرقون أو جوته فى ديوان الفرب والشرق) أو یعنی الاثنین معا (مثل ریتشارد بیرتون» وإدوارد لین» وفریدریش تلج:

أما المؤشر الفانى على مدى ميل الاستشراق إلى اتخاذ طابع شامل بعد ,مجلس فيين» فهو ما كتبه أبناء القرن التاسع عشر الذين أرخوا لهذا المجالء وأشد هذه الكتابات التاريخية دقة كتاب سبعة وعشرون عامًا فى تاريخ الدراسات الشرقية الذى كتبه چول مول بالفرنسية» ويقع فى مجلدين يسجل فیهما أبرز الأحداث فی مجال الاستشراق ما بین عامی ۱۸٤١‏ و 1۸۹۷" .

س الفصل الأول

وكان مول يشغل منصب أمين الجمعية الآسيوية فی پاریس» وکانت پاريس لمدة تزيد على النصف الأول للقرن التاسع عشر عاصمة العالم الاستشراقى (وعاصمة القرن التاسع عشر وفقًا لما يقوله فالتر بنيامين). وقد أتاح لول منصبه فى الجمعية أن يعيش فى قلب مجال الاستشراق. ولا يكاد مول يغفل ذکر آی شىء كتبه باحث أوروبى عن آسيا فى تلك الأعوام السبعة والعشرين مجك الدراتات الخرقة والتراسات الى جلها عضر ية الجالء على الدراسات المنشورة» ولكن الادة المنشورة التى تهم الباحثين فى الاستشراق هائلة الحجم» ابتداء من اللغة العربية» إلى العديد من اللهجات الهندية» واللغات العبرية» والفهلوية» والأشوريةء والبابليةء والمنخولية› والصينية » والبورمية» وما بين النهرين» وانتهاء بالچاوية» فقائمة الدراسات فى فقه اللغة التى كانت تعتبر استشراقية لا يكاد يحصيها العد. كما إن الدراسات الشرقية كانت فيما يبدو تشمل كل شىء من تحرير النصوص وترجمتها إلى علم المسكوكات الأثريةء إلى الدراسات الأنشروپولوجية» والآثار» وعلم الاجتماع» والدراسات الاقتصادية والتاريخية والأدبية والثقافية فى كل حضارة معروفة من حضارات آسيا وشمال إفريقياء قدية كانت أو حديئة. والكتاب الذى كتبه جوستاف دوجا بالفرنسية بعنوان تاريخ المستشرقرن الأوروبيين من القرن الثانى عشر إلى التاسع عشر (1۸1۸ - ۷٠‏ تاريخ انتقائى يرصد الشخصيات الرثيسية فقط» ولكن النطاق الذى يشمله لا يقل إبهارًا عن كتاب مول .

ومع ذلك فإن أمثال هذه الدراسات الانتقائية قد أغفلت بعض الأشياءء فالمستشرقون الآكادييون كانوا يهتمون فى الغالب بالعهود القديمة لأى لغة أو مجتمع يدرسونه. ولم يحدث حتى أواخحر القرن» باستثناء رئيسى أوحد هو المعهد المصرى الذى أنشأه نابليونء أن بدا الاهتمام الكبير بالدراسة الأكاديية للشرق الحديث أو القائم فعلاً. أضف إلى ذلك أن الشرق الذى يدرس كان اة عا م ی إن مدر قان لتر كان الكت والمخطوطات» بخلاف تأثير اليونان فى عصر النهضة الأوروبية والذى كان

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

mm

آد

مصدره فنون المحاكاة مشل النحت والأوانى الفخارية. بل إن التقارب الوجدانى بين المستشرق وبين الشرق كان ئَصيًا » حتى قيل إن بعض المستشرقين الألمان فى أوائل القرن التاسع عشر كتب لهم الشفاء التام من أذواقهم الاستشراقية عندما شاهدوا بأعينهم تمالا هنديا له ثمانى أذرع". وحين كان المستشرق المتبحر فى العلم يتنقل فى البلد الذى تخصص فيهء لم تكن تفارق ذهنه مطلقا تلك الاأقوال المأثورة المجردة التى لا تتزعزع عن ”الحضارة“ التى درسهاء ونادرا ما كان المستشرقون يهتمون بشىء سوى إثبات صحة تلك ”” الحقائق“ البالية بتطبيقهاء دون توفيق كبير» على أبناء البلد لذن لا فهر ها ف رة الانطاط راع فان رة الاراق اه واتساع نطاقه أدى إلى إيجاد ”كمية“ معقولة من المعرفة الإيجابية الدقيقة عن الشرق» إلى جانب ضرب من المعرفة من الدرجة الثانية“ - وهى التى تختبئ فى بعض المواقع مثل الحكاية الشرقية » وأسطورة الشرق الغامض» والافكار الخاصة باستعصاء فهم آسيا - فأصبحت لهذا الضرب من المعرفة حياة خاصة» وهى التى وصفها ف. ج. كيرنان وصقًا موفقًا حين قال إنها ”حلم اليقظة الجحماعى الأوروبى عن الشرق““"' . وكان من التتائج الطيبة لذلك أن عددا جديرا بالتقدير من الكتاب الُهمين فى القرن التاسع عشر امسوا يتحمسون للشرق» وأعتقد أننا نصيب كبد الحقيقة إذا تحدثنا عن نوع من الكتابات الاستشراقية التى تمثلها الآثار الأدبية لفكتور هوجو» وجوته» ونيرال» وفلوبير» وفيتزجيرالد وأمثالهم . ولكن هذا النوع يصاحبه حتمًا لون من الأساطير المبهمة عن الشرق» وصورة للشرق لا تنبع فقط من المواقف المعاصرة وضروب التحيز الشائعة بل أيضًا مما أسماه فيكو غرور الأمم وغرور الباحثين. ولقد سبق لى أن لمحت إلى أوجه الانتفاع السياسى بهذه المادة فى الصورة التى ظهرت بها فى القرن العشرين.

لقد تضاءل اليوم احتمال وصف المستشرق نفسه بهذه الصفة عما كان عليه فى أى وقت حتى الحرب العالمية الثانية» ومع ذلك فهذه التسمية لا تزال مفيدة» كما يحدث عندما تنشئ الجامعات برامج أو أقسامًا علمية للْغات

س الفصل الأول

الشرقية أو الحضارات الشرقية . ففى جامعة أوكسفورد فرع دراسات شرقية (يشار إليه بتعبير ”كلية أو هيثة تدريس) وفى جامعة برنستون. قسم علمى للدراسات الشرقية» ومنذ عهد قريب» أى فى عام ۹١۱۹ء‏ قامت الحكومة البريطانية بتكليف لحنة خاصة ”بمراجعة واستعراض التطورات التى شهدتها الجامعات فى مجال الدراسات الشرقية» والسلافونية» ودراسات شرقى أوروباء والدراسات اللإفريقية. . . وأن تبحث وضع مقترحات لزيادة تطويرها فى المستقبل وأن تسدى المشورة بشأنها“"' والتقرير الذى أصدرته اللجنة فى عام ۱۹٩۱‏ وأطلق عليه اسم تقریر هیتر» لا یبدی آى قلق بشأن إطلاق الصفة العامة» أى ‏ الشرقية“ » على هذه الدراسات. إذ رآى أنها تستخدم لأغراض مفيدة فى الجامعات الأمريكية أيضًا . بل إن أكبر اسم فى مجالات الدراات ال الا اريك وهو هه را جب كان ينض إطلاق صفة المستشرق على نفسه بدلا من التخصص فى اللغة العربية» ورغم نزعته الكلاسيكية كان أحيانًا ما يستعمل التعبير الجديد القبيح ”دراسات ناطق" فى الإشارة إلى الاستشراق حتى يبين أن التعبيرين يمثلان آخر الأمر عناوين جغرافية يجوز استعمالها بالتبادل"". ولكن ذلك» فی رأیی» يخفى بسذاجة علاقة أهم بين المعرفة والمحغرافياء وأود أن أنظر فى هذه العلاقة دون إسهاب.

على الرغم من تشتيت الذهن الذى يتسبب فيه عدد كبير من الرغبات والدوافع والصور التى تتسم جميعًا بالغموض. فالذهن فيما يبدو يصوغ داثبًا ما أسماه كلود ليفى-شتراوس ”علم المجسذات'"“ . فعلى سبيل الخال تقوم قبيلة بدائية بتحديد مكان معينء ووظيفة معينة» ودلالة معينة» لكل نبات مورق فى بيتتها المباشرة. وليس للكثير من تلك الحشائش والأزهار فوائد عملية» ولكن ليشى-شتراوس يرمى إلى إيضاح آن الذهن يتطلب النظام» والنظام يتحقق برصد جميع الأشياء والتمييز بينهاء ووضع كل شىء يعيه الذهن فى مكان يتيح العثور عليه» ومن ثم تخصیص آدوار لکل شىء فى

رصيد الأشياء والهويات التى تتكون البيئة منهاء وهذا الضرب من التصنيف `

۾ نطاق الاستشراق « س

115

الأول أو البدائى له منطقَة» ولكن القواعد التى يستند إليها مجتمع ما فى اعتبار نبات السرخس رمرا للنعمة» ويستند إليها مجتمع آخر فی اعتباره رمرا للنقمة» ليست عقلانية بوضوح ولا هى عالميةء إذ دائمًا ما نجد بعض التعسف الخالص فى أسلوب إدراك الخصائص التى تيز الأشياء بعضها عن بعض» وتقترن بهذه الخصائص المميزة قيم ذات تاریخ نستطیع لو کشفنا عنه SC CE O‏ وهو ما یتجلی دون لى فى مسالة الأزياء الشائعة (الموضة). لاذا تظهر موضة“ الشعر المستعار و الياقة“ الملصنوعة من الدانتلا“ والحذاء العالى الكعب ذى المشبك ثم تختفى فى فترة عقود معدودة؟ سيرجع جانب من الإجابة إلى نفع هذه الأشياء وجانب آخر

إلى جمالها فی ذاتهاء لکنا إذا اتفقنا على أن جمیم الأشياء فی التاريخ مثل

التاريخ نفسه» من صنع البشرء فسوف ندرك مدى إقدام البشر على تحديد أدوار وإسباغ معان على الكثير من الأشياء أو الأماكن أو الأوقات» وهى آدوار ومعان لا تسب صحة موضوعية إلا بعد تحديد البشر لها وإسباغهم إياها عليهاء ويصدق هذا بصفة خاصة على ”الاشياء“ غير الشائعة نسبياء مثل الأجانب» أو الكائنات الطافرة» أو السلوك ”غير السوى“ .

ويمكننا بكل تأكيد أن نقول إن بعض الأشياء المميزة من صنع الذهن› وإن هذه الأشياء التى يبدو لها وجود موضوعى» ليست فى الواقع إلا أوهامًا. فقد تقوم مجموعة من الناس الذين يعيشون فى أرض لا تتىعدى مساحتها عدة أفدنة بإقامة حدود تفصل بين بين أرضهم وبين الأراضى المحيطة بها مباشرة وما يتجاوزها من أراض» وهى التى يطلقون عليها اسم ”أراضى الهمجيين“ . وبتعبير آخر نرى أن الاتجاه الشائع عالميًا بأن يطلق الناس على مكان يألفونه تعبير ”أرضنا نحن“ وعلى المكان الذى لا يألفونه ويتجاوز أرضهم المألوفة تعبير ”أرضهم هه“ اسلوب لوضع دود ج اة فة قد تكون تعسفية تمامًا. وآنا أستعمل كلمة تعسفية“ هنا لأن الجغرافيا الخيالية من نوع ”أرضنا وأرضهم لا تحتاج إلى افتراض اعتراف ””الهمجيين““ بذلك

التمييزء بل یکفی لنا ”نحن آن نقيم هذه الحدود فى أذهانناء فهذا من شاأنه

سس الفصل الاول

أن يجعلهم يصبحون ”هم“ » ويجعل أرضهم وعقليتهم موسومة بالاختلاف عن أرضنا وعقليتنا ”نحن“ . ويبدوء إلى حد ماء أن المجتمعات الحديثة والمجتمعات البدائية تستمد إحساسها بهوياتها بصورة سلبية. ومن الأرجح أن إحساس الأثينى فى القرن الخامس بأنه غير همجى كان يعادل إحساسه الإيجابى بأنه أثينىء فالحدود المجغرافية تصاحب الحدود الاجتماعية والعرقية والثقافية بطرائق متوقعةء لكنه كثيرا ما يكون إحساس الشخص بأنه غير أجنبى قائمّا على تصوره عما يوجد ”هناك“ فيما وراء أرضه» وهو تصور أبعد ما يكون عن الدقة» إذ يبدو أن شتى ألوان الافتراضات والارتباطات والأوهام تتزاحم فى المكان الموجود خارج أرض الشخص .

كتب الفيلسوف الفرنسى جاستون باشيلار تحليلاً ذات يوم لا أطلق عليه اسم شعرية“ المكان“. فقال إن المكان داخل المنزل يكتسب لونًا من الألفةء والسرية والأمن» سواء كان ذلك حقيقة أو خيالاء بسبب الخبرات التى أصبحت تبدو ملائمة له. والأمكنة ‏ الموضوعية فى المنزل - كالزوايا والممرات والاأقبية والغرف - أقل أهمية بكثير ما اكتسبته شاعرياء وهو عادة صفة“ ذات قيمة خيالية أو استعارية نستطيع أن نسميها ونشعر بهاء وهكذا قد يصبح المنزل مسكونًاء أو يوحى بدفء المأوى أو بالسجن أو بالسحر. ومن ثم فإن المکان یتسب معنى عاطفيًا بل ومعنى عقلانيًا من خلال لون من التحول ”الشعرى“ الذى يؤدى إلى تحويل الأصقاع الخاوية أو المجاهل البعيدة إلى معان محددة لنا هنا. ويحدث هذا التحول نفسه عندما نعالج الزمن»› إذ إن جانبًا كبيرا نما يرتبط فى أذهاننا أو ما نعرفه عن الفترات التى نشير إليها بعبارة مثل ”منذ زمن طويل“ أو ”فى البداية“ أو ”فى نهاية الزمن“ هو فى حقیقته شاعری - أآی مصنوع . فالمؤرخ الذى يتحدث عن المملكة الوسيطة فى مصر القدية سوف يجد فى تعبير ”منذ زمن بعيد“ معنى بالغ الوضوح› ولكن هذا المعنى نفسه لا يلغى تماما الطابع الخيالى أو شبه المتوهم الذى يشعر المرء أنه كامن فى تلك الفترة الزمنية البالغة الاختلاف والبعد عن زمانناء فلا شك أن الحغر افيا الخيالية » والتاريخ الخيالى يساعدان الذهن فى تكثيف

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

ا

وتعميق إحساسه بذاته بتهويل المسافة والاختلاف بين ما هو قريب منه وما هو بعيد عنه. وينطبق هذا بنفس الدرجة على المشاعر التى كرا ما تنتابنا والتى توحی بأننا كان يمكن أن نحس بالمزيد من دفء ”الانتماء““ فى القرن السادس عشر أو فى جزر تاهيتى» فى جنوب المحيط الهادئ.

لکنه لا جدوى من التظاهر بأان كل ما نعرفه عن الزمن والمكان» أو بالأاحرى عن التاريخ والجغرافياء خيالى فى المقام الأول. فوجود التاريخ الإيجابى“ والجغرافيا الإيجابية“ لا شك فيه» ونستطيع الإ لماح إلى منجزاتهما الرائعة فى أوروبا والولايات المتحدة. فالباحثون يحيطون الآن قطعًا بمعارف عن العالم» وعن ماضیه وحاضره» تزید عما کانوا يحیطون به فى زمن جيبون. المؤرخ البريطانى فى القرن الثامن عشر» على سبيل الخال . ولكن هذا لا يعنى آنهم يحيطون بجميع المعارف» أو - وهو الأهم - أن معارفهم قد أزالت فعلاً المعرفة الخيالية“ للجغرافيا والتاريخ التى كنت أناقشها. ولسنا بحاجة إلى أن نبت هنا فيما إذا كانت هذه المعرفة الخيالية مبشوثة“ فى التاريخ والجغرافيا أو أنهاء بمعنى من المعانى» تبطلهما. فلنقتصر على القولء مؤقتاء إن هذه المعرفة“ موجودة باعتبارها شيا يتجاوز ما يبدو

لنا معرفة إيجابية وحسب.

لقد كانت صورة الشرق فى أوروباء منذ أقدم العصور تقريباء تتضمن ما يزيد عما هيأته المعرفة التجريبية بالشرق. فعلى نحو ما أوضح ر.و. سذرن بأسلوبه الرشيق» كان تفهم آوروبا - على الأقل منذ بدايات القرن الثامن عشر - لنوع محدد من الثقافة الشرقيةء وهو الثقافة الإسلامية» يتسم بالجهل وإن كان مركبًّا من عناصر عديدة"". فلقد كانت تتجمع حول فكرة الشرق دائمًا» فيما يبدو» بعض المعانى التى تتداعى إلى الذهن حين يذكر الشرق» دون آن تبلغ حد الجهل اما أو حد العلم تعامًاء وانظر آولا إلى رسم الحدود بين الشرق والغرب» وهى التى كانت تبدو بوضوح حتى فى وقت كتابة الإلياذة وهى الملحمة التى كتبها الشاعر اليونانى هوميروس قبل الميلاد: ولسوف تجد أن سمتين من أشد السمات ارتباطا بالشرق وأبعدها تأثيرً

_— الفصل الأول

mm واضحتان فى مسرحية الفرس للشاعر آيسخولوس» وهى أقدم مسرحية وصل‎ لينا نصهاء وفى مسرحية عابدات باخوس للشاعر يوريبيديس» آخر مسرحية‎ اا د و ا كو ا اشر كار ا‎ يعلمون آن جيوشهم التى يقودها الملك أرتخششا (كسرى) قد دمرها‎ : اليونانيون» وعندها تنشد الجوقة (الكورس) الأنشودة التالية‎

بات اراضی آسيا ا فی تعیھا تس بالخواء! قاد الجیوش کسری عندها. . آها وآه! کسری تحطّم بعدها ویلاه یا ویلاه! وکل ما دبر کسر قد تَحطّم إذن كيف استطاع الحرب داريو س الأمين وأن يعود بالرٌجال سالمين إذ قادهم فى حومة الْعمعة القائد الخبرب من صوصة؟ والمهم هنا أن آسيا تتكلم من خلال الخيال الأوروبى وبقضلهء وتظهر أوروبا فى صورة المنتصر على آسياء ذلك ”الآخر"“ - العالم المعادى - فيما وراء البحارء» كما تنسب إلى أسيا مشاعر الخواء“ والضياع والإحساس بالكارثة» وهى المشاعر التى تصبح من نصيب كل تح من الشرق للغرب» كما ينسب إلى آسيا آنها تنعى زرال عهد ما فى الماضى المجيد» استطاعت فيه التفوق وأن تنتصر هى نفسها على أوروبا. وفى مسرحية عابدات باخوس. وربا كان طابعها الآسيوى آبرز من طابع أى مسرحية أحرى من المسرحيات الاثينية القدية» يصور الشاعر الرب

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

Fm

ديونيسيسوس تصويرا صريحا يربطه بأصوله الآسيوية وبضروب التطرف التى تتسم بها ”الأسرار الشرقية والتى تحمل فى أطوائها تهديدا غريباء فالملك بتثيوس» ملك طيبة» يلقى حتفه على أيدى أجيف» والدته» ومعها زميلاتها من عابدات باخوس إله الحمرء إذ إن تحدى بنشيوس للرب ديونيسيوس بعدم اعترافه لا بسلطانه ولا بربوبيته» يجلب له عقابًا رهيبًاء وتنتهى المسرحية باعتراف عام بالسلطة الرهيبة لذلك الرب غريب الاطوار. ولم يفت الشراح اللحدثين لمسرحية عابدات باخوس أن يشيروا إلى النطاق الفذ للجوانب الفكرية والمجحمالية من تأثير المسرحيةء إلا آنهم لم يجدوا بدا من رصد أحد التفاصيل التاريخية الإضافية وهى أن يوريبيديس ”قد تأثر قطعًا بالمظهر الجديد الذى اكتست به حتمًا مذاهب عبادة ديونيسيوس» فى ضوء ديانات الانتشاء“ الأجنبية للأرباب بنديس» وسيبيل (كيبيلى) وسابازيوس» وآدونيس وإيزيس» وهى الديانات التى دخلت اليونان من آسيا الصغرى وبلاد الشام فانتشرت فی مدینتی بیریوس وآٹینا فی سنوات الحرب الپيلوپونية» بين أثينا واسبرطة فى القرن الخامس قبل الميلادء وكانت تتسم بالإحباط والرعونة المتزايدة“ "".

وسوف يظل هذان الجانبان من جوانب صورة الشرق» وهما اللذان يميزانه عن الغرب فى هاتين المسرحيتين» من المحاور الأساسية فى الجغرافيا الخيالية الأوروبية » فالحانب الأول هو الحد الذى يفصل بين قارتين: فأوروبا قوية وتستطيع التعبير عن نفسهاء وآسيا مهزومة وبعيدة» وأيسخولوس يمشل لآسيا» أى يجعلها تتكلم بلسان ملكة فارسية عجوز هى أم كسرى. وأوروبا هى التى تفصح أو تعبر عن الشرق» وهذا الإفصاح أو التعبير ليس ميزة يتميز بها محر الدمى بل خالق حقيقى لديه القوة على أن يهبها الروح» وأن يجعلها تمثل وتحرك وتشكل ذلك المكان الذى يقع فيما وراء الحدود المألوفةء والذى لولاها لظل صامتًا وخطرا. والفرقة الموسيقية التى يقودها أيسخولوس» والتى تتضمن العالم الآسيوى كما يتصوره كاتب المسرح» تشبه

س الفصل الأول

اللإطار العلمى الذى يغلف دراسة المستشرق الذى قد يجد فى أصقاع آسيا الشاسعة والتى لا شكل لها ما يثير تعاطفه آحيائًاء ولكنه دائمًا ما يخضع ذلك لفحص دقيق ينم عن إحساسه بالسيادة عليه. وأما الجانب الشانى فهو صورة الشرق باعتباره ينذر بالخطرء فمظاهر الإفراط الشرقية تدمر الموقف العقلانى» وهى المظاهر المضادة بجاذبيتها الغامضة لما يبدو أنه قيم الأسوياء أو القيم الطبيعية . ويرمز للفرق الذى يفصل الشرق عن الغرب تلك الصرامة التى يصد بها الملك بتثيوس عابدات باخوس الهائجات» أول الأمرء لكنه عندما يتحول بعد ذلك إلى عابد مثلهن لباخوس» فإنه يلقى حتفه» ولا يرجع سبب ذلك إلى أنه استلم لديونيسيوس مثلما يرجع فى المقام الأول إلى خحطنه فى تقدير الخطر الذى يمثله ديونيسيوس. والدرس الذى يقصده یوریبیدیس یتخذ شکله الدرامی من خلال وجود کادموس وتیرسیاس فی المسرحية» وهما حكيمان طاعنان فى السن يدركان أن ”” السيادة“ وحدها لا تكفى لحكم الناس""" ٠‏ ويقولان إنها يجب أن تقترن بالرآى الصائب أو صواب الحكم على الأشياء» ومعناه التقدير الصحيح لقوة الدول الأجنبية والتفاهم معها بخبرة وروية. ومن هذا الوقت بدأ الغرب يأحذ مأخذ الحد جوانب الخموض“ الشرقية لأنها على الأقل تتحدى العقل الغربى فترغمه على اتخاذ خحطوات جديدة تنبئ عن طموحه الثابت وقوته الصامدة.

ولكن كل تقسيم كبير» مثل تقسيم العالم إلى غرب وشرق» يؤدى إلى تقسيمات أخرى أصغر» خحصوصًا لأن المشروعات الحضارية الصغيرة تحفز الناس على القيام بأنشطة مستمرة مثل الترحال والفتوح واكتساب خبرات جديدة. وهكذا ففى اليونان القديمة وفى الامبراطورية الرومانية قام الجغرافيون والمؤرخحون وبعض الزعماء مثل قيصرء والخطباء» والشعراء بإضافة الكثير إلى تراث التقسيم الذى يصنف ويفصل الأجناس والأقاليم والأمم والأذهان بعضها عن البعض» وكان جانب كبير من ذلك يرمى إلى النفع الذاتىء وكان الهدف من وجوده إثبات آن الرومان واليونان متفوقون على غيرهم من الشعوب. ولكن الاهتمام بالشرق كانت له تقاليده الخاصة فى التصنيف

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

والترتيب الهرمى . ومنذ القرن الثانى قبل الميلاد فصاعدا» لم يكن يغيب عن ذهن كل من يرحل إلى الشرق أو يصجه بانظاره إليه من حكام الغرب الطامحين أن هيرودوت - المؤرخ والرحالة والأخبارى الذى لا تنفد له جعبة - مثل الاسكندر الأكبر - وهو الملك والمقاتل والفاتح العلمى - كانا قد زارا الشرق من قبل . وهكذا كان الشرق مقسمًا تقسيمات فرعية ما بين الممالك التى سبق أن عرفها ورارها وفتحها هيرودوت والإسكندر وخلفاؤهما الأدنى منزلة» وبين الممالك التى لم تسبق معرفتها آو زيارتها أو فتحها. وعندما جاءت المسيحية أكملت إنشاء التقسيمات الداخلية الرئيسية للشرق: وهى الشرق الأدنى والشرق الأقصى والشرق الألوف» وهو الذى يسميه ريليه جروسيه ”امبراطورية بلاد الشام“" . والشرق الجديد. وكانت صورة الشرق تتفاوت من ثم فى المجغرافيا ‏ المتصورة؟ ما بين عالم عريق يعود الإنسان إليه مثلما يعود إلى جنة عدن أو الفردوس» ليقيم فيه صورة جديدة من الدنيا القديمة» وبين مكان جديد كل المجحدة يرتاده الإنسان مثلما ارتاد كولومبس أرض أمريكا » حتى ينشئ الدنيا الجديدة (وإن كان من المفارقات آن کولومبس نفسه کان يظن آنه اكتشف جزء جديدا من الدنيا القديمة). وقطالم تكن أى هان المسورين لفنرق ققمى إلى جائب ونك درن الآخرء ولكن المهم هو تذبذب كل صورة منهماء وما تغرى به من إيحاءات وظلال معان» ومن القدرة على تسرية الذهن وبث الاختلاط فى التفكير . وانظر كيف أصبح الشرق» وخحصوصًا الشرق الأدنى» معروفا فى الغرب باعتباره الصورة المضادة العظمى والمكملة للغرب منذ القدم» إذ شهد الكتاب المقدس ونشأة المسيحية» وبعض الرحالة مل مارکو پولو الذى رسم الطرق التجارية ووضع الأنساق الدقيقة لنظم التبادل التتجارى» ومن تلاه مثل لودوٹیکو دی فارتیماء وپیترو ديلا فالی» وکاتب حکايات الأسفار ماندفيل» إلى جانب حركات الفتوح الشرقية الجبارة وخصوصًا الفتوح الإسلامية بطبيعة الحال» ثم الحجاج المقاتلين» وعلى رأسهم الصليبيون. وقد ثمرت هذه الغبرات کتابات تشکل فيما بينها سجلاً له بناؤه الداخلى الخاص»›

س الفصل الأول

وفى هذا السجل يبرز عدد محدود من القوالب التى تثله خير تثيل مثل قالب الرحلة والقصة التاريخيةء والحكاية الخرافيةء والنمط الثابت» والمواجهة الحدلية. وتعتبر هذه القوالب العدسات التى كان ينظر إلى الشرق من خلالهاء وهى التى تشكل لغة اللقاء بين الشرق والغرب» وكيف كان يرى هذا التلاقى والشكل الذى كان يتخذه. ولكن اللقاءات البالغة العمدد كان يوحد بينهاء إلى حد ماء ذلك التذبذب الذى كنت أتحدث عنه. فإذا كان کی ما اجا ودا رة رة اکت ت ما مکا یم مالرف إلى حد ماء وتوقف المرء عن الحكم على الأشياء باعستبارها جديدة کل الحدة أو معروفة لديه معرفة كاملة. وهكذا نشأت مرتبة وسطى جديدة» تتيح للمرء أن يبصر الأشياء الجديدة» أى الأشياء التى يراها لأول مرة» باعتبارها صوراً لأشياء معروفة. وكانت هذ المرتبة فى جوهرها لا ثل أسلوبًا لتلقى المعلومات الجديدة بقدر ما كانت طريقة للسيطرة على ما يتضمن»› فيما يبدو خطرًا يهدد إحدى الطرائى الراسخة للنظر إلى الأشياء. فإذا كان على الذهن»› فجأة» أن يتصدى لا يعتبره شكلاً جديدًا للحياة يختلف اخحتلافا جذريا عما سبقه - على نحو ما بدا الإسلام لأوروبا فى أوائل العصور الوسطى - كانت استجابة الذهن تتسم» بصفة عامةء بالمحافظة واتخاذ موقف الدفاع. إذ كان يقال إن الإسلام صورة جديدة مخادعة لخبرة سابقة» وكانت فى هذه الحالة هى المسيحية. وهكذا ينجح الذهن فى تخفيف حدة الخطر» وتفرض القمم المألوفة نفسهاء ويتمكن الذهن فى النهاية من تخفيف الضغوط عليه باستيعاب الأشياء إما باعتبارها «أصيلة» أو «مكررة٤»‏ وبعدها يستطيع أن ”يتناول““ الإسلام حقاء فيسيطر على جدته وطاقته على الإيحاء بحيث يتمكن من رسم حطوط يبز دقيقة نسبيًاء» وهى ما كان فى عداد المحال لو ترك الذهن جدةٌ الإسلام الأصلية دون تعديل . وهكذا كان الشرق بصفة عامة يتذبذب بين احتقار الغرب للمألوف. ورجفة سروره بالجديد أو خوفه منه.

ولکن حوف أوروبا من الإسلامء وإن لم يكن يشل الاحترام فى كل حالة» كان له ما يبرره. فبعد وفاة محمد و فی عام ۲ ازدادت

م نطاق الاستشراق ۾ س

هيمنة الإسلام العسكرية» وازدادت فى وقت لاحق هيمنته الثقافية والدينيةء زياوة هائلة ,”ققد فحت جرش اللملمن ولا باد قارسن» وريا فصر ٹم تركيا ثم شمال إفريقياء كما فحت فى القرنين الثامن والتاسع إسپانيا وجزيرة صقلية وأجزاء من فرنسا. وما إن حل القرنان الثالث عشر والرابع عشر حتى أصبح حكم الإسلام يمد شرقا إلى الهند والهند الصينية والصين» ولم يكن فى طوق أوروبا آن ترد على هذه الهجمة ردا يذكرء إلا بالخرف ولون من ألوان الرهبة. ولم يكن لدى المؤلفين المسيحصيين الذين شهدوا الفتوحات الإسلامية اهتمام يذكر بعلوم المسلمين وثقافتهم الرفيعة وصور البهاء والروعة المحواترة لديهم» وهم الذين کانواء كما يقول چيبون» ”معاصرين لاظلم الفترات وآشدها كسلا فى حوليات أوروبا“ . (ولكنه يضيف بقدر ما من الرضى ”لكنه قد ازداد حجم العلم فى الغرب» ويبدو من ّم أن الدراسات الشرقية قد وهنت وتدهورت“”). وأما ما كان المسيحيون يشعرون به فى العادة إزاء الجيوش الشرقية فهى أنها كانت تشبه سربًا من أسراب النحل إلى حد کبیر» ولکن آیادیها ذات باس شدید. . فاجتاحت کل شىء" . حسبما کتبه إیرشمبیر» وکان کاهنا فی مونتی کاسینو فى القرن الحادی عش" .

ولم يصبح الإسلام رمزا للرعب والخراب وجحافل الهمجيين الشيطانية الكريهة بلا سبب» فلقد كان يثل لأوروبا صدمة نفسية متصلة الحلقات› إذ كان ”الخطر العشمانى“ يكمن حتى نهاية القرن السابع عشر بجوار أوروبا ويثل خطرا دائمًا على الحضارة المسيحية بأسرهاء وعلى مر الزمن تمكنت أوروبا من آن تدرج هذا الحطر ومأئوراته التقليديةء وأحداثه العظمى وشخصياته البارزة ومناقبه ومثالبه فى صلب حیاتها. ویحکی لنا صمویل تشو فى دراسته الكلاسيكية الهلال والوردة ”أن الرجل ذا التعليم والذكاء المتوسط“ فى عصر النهضة فى النجلترا وحدهاء كان يعرف خير المعرفة ويستطيع أن يشهد على مسارح لندن عددا كبيرا نسبيًا من الأحداث المفصلة فى تاريخ الإسلام العشمانى وانتهاكاته لأوروبا المسيحة""". والذى يهمنا هر

س الفصل الأول

أن ما بقى شائعًا عن اللإسلام كان بالضرورة. صورة مخففة لتلك القوى العظمى والخطرة التى كان يرمز لها فى أوروبا. وعلى نحو ما فعل الروائى وولتر سكوط فى تصويره للبدو الرحل» كان تصوير أوروبا للمسلم العثمانى أو العربى يشل دائمَا محاولة للتحكم فى الشرق المهيب. ويصدق ذلك إلى حد ما على أساليب العلماء المستشرقين المحدثين» فليس موضوعهم هو الشرق فى ذاته بقدر ما هو التعريف بالشرق» فإذا تستت معرفته أصبح أقل إثارة للخوف لدى جمهور القراء الغربيين .

وليس إضفاء الألفة على هذا النحو على كل ما هو غريب أو عجيب مدعاة للخلاف أو الذم بصورة خاصة› فهو يحدث قطعًا فيما بين جميع الثقافات وبين جميع البشر. ولكن مرماى تأكيد هذه الحقيقة وهى أن المستشرق» شأنه فى هذا شأن أى فرد فى الغرب الأوروبى فكر فى أمر الشرق أو زاره» قد ”أجرى هذه العملية الذهنية“ . ولكن الأهم من ذلك هر الجترع الخدو د هن اشرات و الور إل قرفن ها هن جرا ذلك وتصوير اللإأسلام فى الغرب شاهد على ذلك على نحو ما بين نورمان دانييل فى دراسته الرائعة الإسلام والغرب. وكان من القيود التى قيدت تفكير المفكرين المسيحيين الذين حاولوا فهم الإسلام قيد القياس أو التشبيه» فلما كان المسيح أساس الدين المسيحى. افقرض هؤلاء - وکانوا مخطین کل الخطاً - أن محمدا يمثل لاوسلام ما يمثله المسيح للمسيحية» ومن هنا أطلقوا على الإسلام التسمية الجدلية أى ”المحمدية“ وألصقوا بمحمد ميخم صفة ”الدجال"“ بصورة تلقائية" . ومن أمشال هذه المفاهيم الخاطئة وغيرها ”تشكلت حلقة لم تنكسر فى يوم من الأيام بالانفتاح على الخارج... إذ اعتبروا أن المفهوم المسيحى للإسلام متكامل وكاف بذاته“““ وأصبح الإأسلام صورة - وهى الكلمة التى أتى بها دانييلء وتترتب عليها فى نظرى دلالات مهمة للاستشراق بصفة عامة - إذ لم تعد وظيفتها تكمن فى تمثيل الإسلام فى ذاته بقدر تمثيله لعيون المسيحيين فى العصور الوسطى . يقول دانییل :

u‏ نطاق الاستشراق و س

125

206

كان الاتجاه الشابت إلى إهمال ما يعنيه القرآن» أو ما يرى المسلمون أنه يعنيه» وتجاهل فكر المسلمين وأفعالهم فى شتى الظروف» يعنى ضمتًا تقديم المذهب القرآنى وغيره من المذاهب الإسلامية فى شكل قادر على إقناع المسيحيين؛ وازدادت احتمالات تقبل الأشكال التى يزداد تطرفها باطراد مع زيادة اتاد الکاب اتھور عن دود آراضی الین بل کان يجدون صعوبة كبيرة فى تصديق ما يقول المسلمون إنهم يؤمنون به» فلقد نشأت صورة مسيحية إلاإسلام] وكان الكتاب لا يتخْلَون إلا عن أقل القليل من تفاصيلها (حتى تحت ضغط الحقائق) ولكنهم لم يكونوا يتَخْلّون مطلقًا عن إطارها. وكنت تلمح بطبيعة الحال ظلال اختلافات» لكنها دائمًا تدور فى إطار مشترك. وجميع التصويبات التى كانوا يقومون بها لزيادة الدقة لم تکن تزید عن دفاع عما أدرکوا آخیرا أنه معرّضٴ للهدم» آی إنها كانت بمثابة تدعيم لبناء تصدع . فآراء المسيحيين كانت بناء لا يكن هدمه حتى وإن كانت الغاية إعادة بنائه“" .

وقد تدعمت هذه الصورة الصارمة للإسلام بعدة سبل كان من بينها - إبان العصور الوسطى وبداية عصر النهضة - ضروب بالغة التنوع من الشعر» والمجادلات العلمية» والخرافات الشعبية“. وبحلول هذه الفترة كان الشرق الأدنى يكاد يمثل جزءا من صورة العالم الشائعة فى عيون أبناء المسيحية اللاتينية» على نحو ما نرى فى أنشودة رولان التى تصور دين المسلمين باعتباره يضم محمدا يم وآپوللوء الرب الوثنى الإغريقى. وبحلول مش القرن الخامس عفر لى و فا ن ر و سذرن فن غاب الرائع» اتضح للمفكرين الأوربيين المجادين ”أنه لابد من اتخاذ إجراء ما بصدد اللإسلام“ الذى كان قد قلب الموازين بوصول عسكر المسلمين أنفسهم إل رف اروا وف ارو ا و رج ان عافن وار ENA a E URS EEE‏

الفصل الأول

القوصی» وچان چيرمين» وإينياس سيلفيوس (پيوس الثانى) التصدى للإسلام من خلال ”مؤتمر“ خاص. كان الأول صاحب الفكرة التى تقضى بعقد مؤتمر ”مع الإسلام“ يحاول فيه المسيحيون تحويل المسلمين جملَة عن عقيدتهم . ”كان يرى فى المؤتر آداة لها وظيفتها السياسية إلى جانب وظيفتها الدينية الخالصة» وبتعبير 5 تجيب له صدور المحدثين صاح قائلاً إن المؤتمر حتى لو استمر عشر سنين فسوف يكون أقل تكلفة وأقل ضررًا من الحرب“ . لم يتوصل الأربعة إلى اتفاق» ولكن الحادثة بالغة الأهمية لكونها محاولة لوذعية - تدخحل فى إطار المحاولات الأوروبية من القديس بيد إلى مارتن لوثر - لتقديم صورة تمثل الشرق فى عيون أوروبا» والجمع بين الشرق وأوروبا معا

على المسرح فى شكل له دلالته» والقصد منه آن يشرح المسيحيون للمسلمين

و تر

أن الإسلام صورة مضللة ا وفیما یلی ما انتهی إليه سذرن:

ا yS‏ للظاهرة الى تحاول تفسیرها إالإسلام! - بل وعجزها إلى درجة أكبر عن التأثير بصورة حاسمة فى مجرى الأحداث فى دنيا الواقع . فعلى المستوى العملى» لم يكتب للأحداث أن قق النجاح الُدوى أو الفشل الذريع على النحو الذى تنبا به أذكى المراقبين» وربا يكون جديرًا بالملاحظة أن الأحداث حققت أكبر نجاح ممكن عندما كان أفضل القضاة يتوقعون» بثقة» نهاية سعيدة. فهل تحقق أى تقدم إفى المعرفة المسيحية بالإسلام)؟ لابد أن أعرب عن اقتناعى بوجود هذا التقدم. وحتى لو كان حل المشكلة قد ظل يستعصى على الظهور للرائىء فان صوغ المشكلة أصبح يبتعد عن التبسيط» وأكثر عقلانية» وأكثر ارتباطا e‏ والباحثون الحهد مشكلة الإسلام e‏ ويرغبون فيه»› e‏

127

E وطاقات على الفهم لا تزال جديرة بالننجاح لو توافرت لغيرهم‎

وفی. مجالات اخحری“ .

ويیخصص سّذرن الجانب الآكبر من تحليله» هنا وفى آبواب أخرى من تاريخه الموجز للآراء الغربية فى الإسلام» لإيضاح أن الجهل الغربى هو الذى ازداد فى النهاية تنقيحا وبعدا عن البساطةء لا أن قدرا ما من المعرفة الإيجابية الغربية قد ازداد حجمًا ودقة . فالأكاذيب لها منطقها الخاص وجدليتها الخاصة فى النمو أو التدهور. فلقد أهيلت على شخصية النبى محمد مام فى العصور الوسطى مجموعة من الصفات التى تتفق مع ”شخصية كل نبى إفى القرن الثانى عشر من أنبياء ما يسمى الروح الحرة“ وهم الذين ظهروا فعلاً فى أوروبا فكان لهم من صدقوهم ومن اتبعوهم“. وعلى غرار ذلك فلما کان ینظر إلى محمد مایم باعتباره نبيًا ينشر تنزيلاً زائقاء فلقد اصبح أيضًا جماع صور الفسادء وهى النظرة المستقاةء منطقيًاء من اعتباره دجالا" . وهكذا اكتسب الشرق من يمثلونه» إن صح هذا التعبير» وصورًا تمثله» وازداد كل منها تجسيدا عما سبقه» كما ازداد اتساقها الداخلى مع بعض المقتضيات الغربية. فكأنما كانت أوروباء حالما استقر رأيها على أن الشرق يمثل المكان المناسب لتجسيد اللانهائى فى شكل محدد» عاجزة عن التوقف عن ممارسة ذلك» فاصبح الشرق والشرقی› عربیًا کان أو إسلاميًا آو هنديًا أو صينيًا آو سوى ذلك» صورًا شبه مجسدة ومتكررة لكيان أصلى عظيم (المسيح› أوروباء الغرب) وهو الكيان الذى افترض انها تحاكيه. ولم يتغير على مر الزمن إلا مصدر هذه الأفكار الغربية» والنرجسية إلى حد ماء عن الشرق› دون أن يتغير طابعها. وهكذا انتشر الاعتقاد فى القرنين الثانى عشر والثالث عشر بأآن بلاد العرب ””تقع على حافة العالم المسيحى» وأنها ملجأً طبيعى للزنادقة الخارجين على القانون“ وأن محمدا زم کان مُرتدا ماكراء وكان القرن الثانى عشر يرى أن الباحث المستشرق» أى المتخصص العالم كان من يركن إليه لإيضاح أن الإسلام لا يزيد فى الواقع عن بدعة أريوسية من الدرجة الثانية““ .

الفصل الأول

٤

وهكذا فإن وصفنا المبدئى للاستشراق باعتباره مجالا علميا يكتسب الآن شكلاً مجسدا جديدا. فكثيرا ما يكون المجال حيزا مغلقًا. وفكرة التمثيل فكرة مسرحية» وبلدان المشرق هى خحشبة المسرح التى يحبَس فيها الشرق کله ترف يمر غل اة قات تسر دورش فی شل الكيان الكل الاكبر الذى خرجت منه. وهكذا فإن الشرق سوف يبدو مجالا مغلمًاء أو خشبة مسرح ملتصقة بأوروباء لا امتدادا غير محدود خارج العالم الأوروبى المألوف . والمستشرق لا يزيد عن متخصص فى معرفة خحاصة» وتعتبر أوروبا بأسرها مسثولة عنهاء على نحو ما يعتبر الجمهورء تاريخْيًا وثقافياء مسئولا عن المسرحيات التى يؤلفها كاتب المسرح (ومستجيبًا لها) . وفى أعماق هذا المسرح الشرقى توجد ذخيرة ثقافية مذهلة يوحى كل عنصر مفرد من عناصرها بعالم يتميز بثراء خحرافى: آبو الهول» وكليوپاتراء وجنة عدن» وطروادة» وسدوم وعمورة» وعشتروت» وإيزيس وأوزوريس» وسباًء وبابل» والجن» والمجوس» ونینوی» وپریسترچون» ومحمد» وعناصر أخرى كثيرة. كما يوحى بأماكن نصف خرافية ونصف معروفة» لا تزيد فى بعض الأحيان عن أسماء مجردة؛ وبمخلوقات شائهة وشياطين وأبطال؛ وبأالوان الرعب والملذات والشهوات. ووجدت المخيلة الأوروبية فى هذه الذخيرة غذاءً لا يكاد ينفدء إذ حدث ما بين العصور الوسطى والقرن الثامن عشر آن كان بعض کبار الاب مثل أريوسطو. ومیلتون» ومارلو» وتاسو» وشیکسپيرء وثيربانتيس ( سرفانتيس ) ومثل مؤلفى أنشودة رولان وقصيدة السيد ينهلون من هذه الذخيرة فيما يؤلفونه بأساليب أدت إلى تحديد وتأكيد أشكال الصور الشعرية والأفكار والشخصيات التى تعمرها. أضف إلى ذلك أن قدرا كبيرا من الكتابات التى كانت تعتبر بحونًا استشراقية متخصصة فى أوروبا كان يِسَحَر الأساطير الأيديولوجية لخدمته» حتى حين كانت المعرفة تتقدم بخطى حقيقية فيما يبدو. 1

ومن الأمثلة الذائعة على امتزاج الشكل الدرامى بالصور الشعرية العلمية“ فى المسرح الاستشراقى معجم وضعه بارتيليمى ديربيلو بالفرنسية

» طاق الاستشراق ۾ س

124

a

بعنوان ببليوتيك أورينتال (أى المكتبة الشرقية) ونشر بعد وفاته فى عام ۷“ بمقدمة كتبها أنطوان جالان. وتقول مقدمة تاريخ كيمبريدح للإسلام إن هذا الكتاب» إلى جانب المقدمة التى كتبها ورج سيل لترجمته للقرآن (\VT€)‏ وتاریخ المسلمین الذى كکتبه سايون أو کلى (۱۷۰۸ و )۱۷١۸‏ كتاب ”بالغ الأهمية“ فى توسيع نطاق ”الفهم الجديد للإسلام“ وتقديه إلى ”قراء على مستوی آکادیمی آدنی“““ . ولکن هذا الوصف لکتاب دیربیلو وصف قاصر» فالكتاب لا يقتصر على الإسلام فحسب مثل كتابى سيل وأوكلى . فباستثناء كتاب تاريخ الشرق الذى وضعه يوهان ه. هوتينجر فى عام ١١٠٠ء‏ ظل الببليوتيك المرجع المعتمد فى أوروبا حتى أوائل القرن التاسع عشر» وکان نطاقه واسعا وبالغ الأهمية حقاء بل إن جالانء الذى كان أول مترجم آوروبى لألف ليلة وليلة ومتخصصًا شهيرًا فى اللغة العربية› كان يفضّل إنجار ديربيلو على كتابات كل من سبقوه ويرجع الفضل فى ذلك إلى الاتساع المذهل لنطاق العملء إذ يقول جالان إن ديربيلو قد قرأ عددا كبيرًا من الأعمال باللغات العربية والفارسية والتركيةء الأمر الذى مكنه من اكتشاف أشياء كانت تخفى حتى ذلك الحين عن الأوروبيين"“ . فبعد أن وضع دیربیلو معجما لهسذه اللات الشرقية الثلاث اتجه إلى دراسة تاريخ الشرق وجغرافيته ولاهوته وعلومه وفنونه» فى صورها الخرافية والحقيقية أو الصادقة جميعا. وبعدها قرر أن يؤلف عملينء أحدهما هو الببليوتيك أو ”المكتبة““ وهو معجم مواده مرتبة ترتيبًا هجائيًاء والثانى هو فلوريليج (طاقة الأزهار) أو المنتخبات المترجمة» لكنه لم يكمل إلا العمل الأول.

ویقول جالان فى وصف الببلىيوتيك إن صفه ”” آورینتال““ أى الشرقى كان يقصد بها أن تتضمن بلاد الشام بصفة رئيسية» ويقول جالان مدي إغجابه إن المؤلف لم يكتف بأن تبدا الفعرة التى يتناولها الكاتب بخلق آدم كام وأن تنتهی ”بالوقت الذى نعيش فيه“ بل إن ديربيلو عاد للزمن السحيق» أى, إلى الوقت الذى يوصف بانه ”الأعظم“ فى الروايات التاريخية الخرافية - ويقصد بها الفترة الطويلة التى عاش فيها ‏ السليمانون“ قبل آدم كا .

کے الفصل الارل

وعندما مضى فى قراءة وصف جالان لذلك الكتاب ندرك أن الببليوتيك كان یشبه أی تاریخ آخر للعالمء إذ حاول تقديم خلاصة شاملة للمعارف التى كانت متاحة بشأن بعض القضايا مثل خلق العالم وطوفان نوح وتدمير بابل إلى آخره - وإن اختلف ديربيلو فى أن مصادره كانت شرقية. وهو يقسم التاريخ إلى نوعين» التاريخ المقدس والتاريخ الدنيوى (وينتمى اليهود والمسيحيون إلى الأول والمسلمون إلى الثانى) كما يقسمه إلى فترتين: ما قبل الطوفان وما بعد الطوفان. وهكذا استطاع ديربيلو أن يناقش ألوانًا بالغة الاختلاف من التاريخ» مثل تاريخ المغولء والتتارء والترك» والسلاثونيينء كما جعل استقصاءه شاملا لحميع ولايات الامبراطورية الإسلاميةء من أقصى الشرق إلى أعمدة هرقلء بعادات أهاليها وطقوسهم وتقاليدهم وشروحهم› وأسرهم الحاكمة» وقصورهم وأنهارهم ونباتاتهم. ورغم أن العمل قد أشار إشارة ما إلى ما أسماه ”المذهب المنحرف الذى أتى به محمد والذى تسبب فى أضرار كبيرة للمسيحية“ فإنه كان» فى غير ذلك» يتسم بزيادة دقته وثراء تفاصیله عن آی عمل سبقه. ویختتم جالان حدیثه بان يذَکر القارئ ویؤکد له آخر الأمر أن معجم ببليوتيك الذى وضعه ديربيلو ”مفيد ومتع"“ بصورة فريدة» فى حين كان غيره من المستشرقين» مل پوستيل» وسكاليجر» وجوليوس» وبوكوك وإرپنيوس يکتبون دراسات استشراقية ذات نطاق بالغ الضيق فى النحو أو المسائل المعجمية أو المجغرافية وما شابهها. ولم يستطعم سوی دیربیلو أن يكتب عملاً قادرا على إقناع القراء الأوروبيين بأن دراسة الثقافة الشرقية ليست دراسة عقيمًا أو ناكرة للجميل» ويقول جالان إن دیربيلو وحده هو الذى حاول آن يبث فى أذهان قرائه فكرة كافية عما تعنيه معرفة الشرق ودراستهء وهى الفكرة القادرة على إشباع الذهن وإرضاء التوقعات الكبرى التى كانت لدى المرء من قبل“ .

ومن خلال أمثال هذه الجهود التى بذلها ديربيلو استطاعت أوروبا آن تكتشف طاقاتها على احتواء“ الشرق وإضفاء الصورة إلتى تريدها عليه ويلوح لنا هنا وهناك إحساس معين بالتفوق فيما يقوله جالان عن مادته

۾ طاق الاستشراق ۾ س

&

mm

الشرقية“ ومادة ديربيلو ”الشرقية“ » على نحو ما كان الأوروبيون يجدون فى الأعمال الجغرافية التى وضعها أمثال رافائيل دى مان أن العلوم الطبيعية الغربية قد سبقت الشرق وجعلته قديم الطراز“. ولكن الذى يتجلّى لنا لا يقتصر على المزية التى يهيئها المنظور الغربى» بل يتجلى إلى جانبه انتصار حيلة فنية بارعة تتمثل فى تناول الشرق الذى يتسم بخصب هائل وتبسيطه بحيث يستطيع الغربى غير الممخصص أن يعرفه بصورة منتظمة بل ووفق ترتيب الحروف الأبجدية. .وأعتقد أن ما قاله جالان عن إرضاء ديربيلو لتوقعات القارئ كان يعنى أن الببليوتيك لم يحاول مراجعة أو تعديل الأفكار التى شاعت قبله عن الشرق» فالذى يفعله المستشرق هو تأكيد صحة صورة الشرق فى عيون قرائه» فهو لا يحاول ولا يريد زعزعة المعتقدات التى رسخت جذورها وثبتت من قبل. وکل ما فعله بہليوتيك أورینشال کان ينحصر فى تمليل الشرق تثيلاً أشد اكتمالا ووضوحًاء والمادة التى كانت مجموعة فضفاضة من الحقاثى المكتسبة بصورة عشوائية عن التاريخ المنسوب بغموض إلى بلدان الشام» والصور الشعرية فى الكتاب المقدس» والثقافة اللإسلامية » وأسماء الأماكن وما إلى ذلك بسبيل قد تحولت لديه إلى بانوراما شرقية عقلانية» مرتبة من الألف إلى الياء. ففى باب محمد فى المعجم يبدأ ديربيلو بذكر آسماء النبى كلهاء ثم يمضى ليؤكد قيمته الأيديولوجية والمذهبية على النحو التالى :

هذا هو محمد» الدجال الشهير» صاحب ومؤسس البدعة التى

اتخذت اسم الدين وهى التى ندعوها الحمدية. انظر باب

الإسلام. وقد نسب مفسرو القرآن وغيرهم من علماء الشريعة

الإسلامية أو المحمدية إلى هذا النبى الزائف جميع الصفات

الحميدة التى نسبها الأريوسيون والپوليون وغيرهم من المارقين

إلى يسوع المسيح» مع تجريده من ألوهيته. . “١.‏

وتعبير ‏ المحمدية“ يئل التسمية الأوروبية الخاصة (والمهينة)؛ وأما

”الإسلام“ وهو التسمية الصحيحة لدى المسلمين فيؤخرها المؤلف إلى باب

س الفصل الأول

أقل مكانة . فكانما استطاع المؤلف ””اقتناص“ تلك ”البدعة المارقة. . . التى نسميها المحمدية“ بأن اعتبرها محاكاةً لمحاكاة مسيحية للدين الحقيقى . وهكذاء فى غمار الوصف التاريخى المطول OTE‏ مم > يستطيع ديربيلو أن يعود إلى السرد المباشر إلى حد ما. ولكن المهم هنا هو الموقع الذى وضع فيه باب محمد ميم فى الببليوتيك. أى إنه يزيل الخطر الكامن فى البدعة المنطلقة دونما ضابط أو رابط عندما يحولها إلى مادة ذات صبغة أيديولوجية صريحة تحت حرف الميم فى المعجم» ومن ثم يتوقف محمد“ عن الانطلاق فى العالم الشرقى باعتباره فاسقًا ينذر بالخطر بل يقبع فى هدوء فى الركن الملخصص له بالمسرح الشرقی (وإن کان ركنا بارا بلا جدال)'*. والمؤلف يمنحه سا ينتمى إليه» وشرحًا يوضحهء وتطورًا يمر به» وكلها تتضمنه العبارات البسيطة التى تمنعه من الانطلاق إلى أماكن أخرى.

وأمثال هذه الصور التى بين أيدينا للشرق إنما هى صور وحسب» بمعنى أنها تمشل أو ترمز لكيان بالغ الضخامة» وهى تمكن المرء من فهمه أو رؤيته› وإلا استحال ذلك بسبب امتداده الشاسع . وهی كذلك شخصیات“ ترتبط ببعض الانماط» مثل نط المتفاخر أو البخيل أو الشره» التى يصورها ٹیوفراستوس» أو لابرييبر أو سلدن» ورا لا يكون صحيحًا كل الصحة أن نقول إن المرء يشاهد امثال هذه الشخصيات مثلما يشاهد شخصية الجندى المتباهى المشاكس فى الكوميديا الكلاسيكيةء أو ”الدجال“ محمد لأن التحديد العقلانى للشخصية لا يفترض فيه فى أحسن الأحوال إلا تمكين المرء من فهم النمط العام دون صعوبة ودون لبس أو غموض. ومع ذلك فإن شخصية محمد ميم عند ديربيلو ما هى إلا صورة» لان ما يسمى النبى الزائف' جزء من التمشيل المسرحى العام الذى يسمى الشرقى والذى يضم الببليوتيك“ أطرافه جميعًا.

والطابع التعليمى لتمثيل الشرق أو تصويره لا يمكن عزله عن سائر جوانب الكتاب ..ففى عمل ”علمى“ مثل الببليوتيك أورينتال» الذى كان ثمرة الدراسة المنتظمة والبحث يفرض المؤلف نظامًا ”تأديبيا“ على المادة التى

» نطاق الاستشراق « س

تناولهاء كما إنه يريد أن يوضح للقارئ أن ما تقدمه إليه الصفحة المطبوعة حكم على المادة يتسم بالنظام والانضباط» ويدلنا الببليوتيك بهذا الأسلوب على قوة الاستشراق وفعاليته» وهما اللتان تذكران القارئ فى كل موقع من الكتاب بأنه إذا أراد أن يفهم الشرق فعليه من الآن فصاعدا آن يمر من خلال الشبكات والشفرات العلمية التى يقدمها المستشرق. ولا يقتصر الأمر على تطويع الشرق حتى يلائم المقتضيات الاخلاقية للمسيحية الغربية» بل إنه ميد بسلسلة من المواقف والاأحكام التى لا تيل العقل الغربى إلى الشرق نفضسه أولا نشدانًا للتصحيح والتحقق بل إلى أعمال استشراقية أخرى. ويتحول مسرح الاستشراق» على نحو ما أطلقت عليه إلى نظام للصرامة الأخلاقية والمعرفية . وهكذا فإن الاستشراق باعتباره مبحئًا يمثل المعرفة الخربية المؤسسية للشرق يكتسب قوة تؤثر فى ثلاث جهات: فى الشرق» وفى المستشرق» وفى المستهلك“ الغربى للاستشراق. وأعتقد أنه من الخطأً التهوين من تقديرنا لقوة العلاقة الثلاثية التى تنشأً بهذا الأسلوب. إذ إن الشرق (ببلدانه الواقعة ”بعيدًا هناك“ باتجاه المشرق) يخضع للتصحيح بل وللعقاب لوقوعه خارج حدود المجتمع الزرف و عا ف وة شرق غل ارق طاع شرقى» وهو العمل الذى لا يبين فحسب أن الشرق هو مجال المستشرق بل يرغم القارئ الغربى غير المدرب على قبول تضنيفات وتقنينات المستشرق (مثل ببليوتيك ديربيلو المرتب هجائيًا) باعتبارها تمشل الشرق الحقيقى . وباختصار تصبح الحقيقة دالَةٌ من دوال أحكام الدارسين لا من دوال المادة نفسها وهى التى تبدو على مر الزمن كأنغا كانت تدين بوجودها نفسه للمستشرق.

وليس من الصعب تفهم أو شرح هذه العملية التعليمية برمتهاء وعلينا أن نتذكر من جديد أن جميع الثقافات تفرض ‏ تصحيحات“ على الواقع فتحوله من أشياء طليقة الحركة إلى وحدات معرفية. ولا تكمن المشكلة فى حدوث هذا التحول. فمن الطبيعى تامًا أن يقاوم الذهن البشرى الهجوم الذى يتعرض له من جانب للمادة الغريبة غير المعالجحة» ولهذا كانت الثقافات دائمًا ما

س الفصل الأول

تتسم بيلها إلى فرض تحولات كاملة على الثقافات الأخرى» بحيث لا تستقبل هذه الثقافات الأخرى كما هى عليه بل - لفائدة المخلقى - كما ينبغى أن تکون عليه . ولکن الغربی کان دائمًا یری شبھا ما بین الشرقی وبين جانب من جوانب الغرب» فبعض الرومانسيين الآلمان» مثلاًء كانوا يرون أن الديانة الهندية فى جوهرها صورة شرقية ذهب الحلول المسيحى الالمانى» ومع ذلك فان المستشرق يجعل عمله ينصب داثمًا على تحويل الشرق من شىء إلى شىء آخحر: وهو يفعل هذا من أجل ذاته» ومن أجل ثقافته» بل ويعتقد فى بعض احا اهن أجل ال قي وها ارين شع بالانغاط فهو يدرس للآخحرينء وله جمعياته الخاصةء» ومجلاته الدوريةء وتقاليده» ومفرداتهء وبلاغته» وهى ترتبط جميعًا وبصورة أساسية بالمعايير الثقافية والسياسية الغربية السائدة وهى المعايير التى أنشأتها أصلاً. ومن الأرجح» على نحو ما سوف أبين» أن يزداد لا أن يتناقص ما يحاول هذا التحول أن يفعله حتى يشمل الشرق كله إلى الحد الذى يجعل من يستعرض الاستشراق فى القرنين التاسع عشر والعشرين يخرج بانطباع غلاب بأن الاستشراق قد وضع هذا الرسم التخطيطى ”البارد“ للشرق كله.

ويتضح من الامثلة التى ضربتها لصور الشرق فى اليونان القديمة أن وضع هذا الرسم التخطيطى قد بدأ فى الغرب منذ عهد بعيد. ونستطيع الرجوع الآن إلى الجزء الأول من الكوميديا الإلهية التى كتبها دائتى» وعنوانه الجحيم» لنرى ذلك واضحًا جليًا فى الصور التالية للشرق» وهى التى بنيّت على أساس الصور الأولى» ولنرى أيضًا مدى الدقة فى إعداد هذا الرسم التخطيطى» ومدى التأثير الدرامى للموقع الذى وضع فيه فى الجغرافيا الخيالية الغربية . وقد قال النقاد إن إنجاز دانتى فى الكوميديا الإلهية يكمن فى قدرته على الحمع بيسر وسهولة بين التصوير الواقعى للواقع الدنيوى وبين نسق عالمى خالد للقيم المسيحية. إذ إن دانتى الرحالة ير بآصمَاع الجحيم والمطهر والفردوس فتبدو له رؤيا فريدة ليوم الحساب. فهو یری مثلاً پاولو وفرنشيسكا فی مأواهما الاآبدی وهو جهنم بسبب ما ارتکباه من خحطايا» ولکننا نراهما

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

135

أيضًا وهما يقومان بأدوار الشخصيات ويفعلان الأفعال التى آدت إلى ذلك المصير الأبدى» بل يعيشان حياة هذه الشخصيات. وهكذا فإن كل شخص يبدو لدانتى فى تلك الرؤيا لا ثل ذاته فقط بل يعتبر تمثيلاً نمطيًا الشخصيته وللمصیر الذی حکم به عليه .

ويظهر ”ماوميتو“ - أى محمد عم - فى النشيد الثامن والعشرين من الجحيم . ودانتى يضعه فى الدائرة الثامنة من حلقات الجحيم التسع» أى الحلقة التاسعة من حلقات الشر العشر» وهى دائرة مليثة بالحفر المظلمة وتحيط بمعقل انلس فن لان وكا وق أن بعل ان إلى محمد ر دوا أل فا الأشخاص الذين ارتكبوا ذنوبًا أقل جسامة» مشل الشهوانيين والبخلاء» والشرهين› امات ال رة اتن ونارن ادناق الكين: وبعد دائرة محمد نصادف المزيفين والخونة (ومن بينهم يهوذا وبروتس وكاشيوس) قبل أن نصل إلى الدرك الأسفل من النار حيث نجد إبليس نفسه. ومن ثم فهو يقول إن محمدا ينتمى إلى مرتبة معينة من المراتب المحددة بدقة للشرور» وهى المرتبة التى يسميها دانتى مرتبة نشر الفضائح وإثارة الفتن؟ . والعقاب السرمدى الذى يقرره لمحمد عقاب مقزز إلى حد بعيد" . ویشرح محمد عقابه إلى دانتی» مشير أيضًا إلى على» الذى يسبقه فى صف الخاطئين الذين يعذبهم أحد الزبانية» كما يطلب من دانتى أن يحذر رجلا يدعى الراهب دولشينو من المصير الذى ينتظره» وهو كاهن مرد كانت طائفته تدعو لشيوعية النساء والبضائع » وكان مستهما بأن له عشيقة» ولا يخفى على القارئ أن دانتى كان يرى توازيا بين النزعة الحسية المققزرة عند دولشينو ومحمد» وكذلك بین ما کانا ینشدانه من سطوع النجم فی مجال اللاهوت .

ولكن دانتى لا يكتفى بأن يقول ذلك عن الإسلامء إذ تظهر قبل ذلك فى الجحيم مجموعة صغيرة من المسلمين» ونصادف ابن سينا وابن رشد وصلاح الدين الأيوبى بين الوثنيين“ الفضلاء الذين يحبسهم دانتى فى الدائرة الأولى من دواثر الجحيم» مع هكتور» وإينياس» وإبراهيم عله وسقراط»

(#) حذفت عبارات تتضمن تفاصيل أستحى من إيرادها (المترجم).

الفصل الأول

وأفلاطون» وارسطوء حيث ينالون الحد الأدنى (بل والشرف) من العقاب» ما دامت الدعوة المسيحية لم تصلهم. ودانتى يبدى إعجابه» بطبيعة الحالء بفضائلهم ومنجزاتهم العظيمة» ولكنه يجد لزامًا عليه أن يحكم عليهم بالعذاب فی جھنم» مهما یکن مَخْمَّمًاء لانهم لم یکونوا مسيحيین. صحيح أن الأبدية من أكبر ما يمحو الفوارق بين البشرء ولكن المفارقات التاريخية ومظاهر الشذوذ البادية فى الحمع بين الشخصيات اللامعة فى العصور السابقة للمسيحية وبين المسلمين الذين جاءوا بعدها فى نفس الرتبة من مراتب ”الوثنيين“ فى الححيم لا يقلق دانتى. فعلى الرغم من أن القرآن يصف عیسی بأنه نبی» یختار دانتى أن يعتبر أن الفيلسوفين المسلمين العظيمين ابن سينا وابن رشد والملك المسلم العظيم صلاح الدين كانوا اساسا يجهلون الملسيحية. وهكذا فإن إنزالهم نفس المنزلة المتميزة التى آنزل فيها دانتى أبطال وحكماء اليونان والرومان القدماء يمثل رؤية تتجاوز التاريخ» وتشبه رؤية الفنان رافائيل التى صورها فى لوحته الحدارية مدرسة أثينا ونرى فيها ابن رشد مجاورًا فى ساحة المدرسة لسقراط وأفلاطون (ويشبه حوارية الموتى التى كتبهافینيلون ۱۷۱۸-١۱۷٠١ ٠‏ حيث يدور النقاش بين سقراط وکونفوشیوس).

وتعتبر مظاهر التمييز والتنقيح فى الإدراك ”الشعرى" لاإسلام عند دانتى مثالا على الحتمية التصويرية التى تكاد تتصل بعلم الكون نفسه» والتى أدت إلى آن أصبح الإسلام» ومن قيل إنهم يمثلونه» من ابتداع التصورات الجغرافية والتاريخية الغربية» بل والتصورات الأخلاقية الغربية قبل هذا وذاك. وأما المعلومات الإمبيريقية عن الشرق أو عن أى منطقة فيه فلا يكاد يكون لها وزن» فالعامل الذى يعتد به بل العامل الجحاسم هو ما أسميته الرؤية الاستشراقية» وهى رؤية لا تقتصر على الباحث المحترف إطلاقًا» بل هى ملكية شائعة“ لحميع الغربيين الذين فكروا فى آمر الشرق. وطاقات دانتى الشعرية تعمق هذه المنظورات الخاصة بالشرق وتجعلها أكثر تمثيلاً له. فهو يثبت هذه الشخصيات - محمد رل وصلاح الدين» وابن رشد وابن

. نطاق الاستشراق _—

س

ا

سينا - فى ضرب من علم الكون الخيالى: إنه يثبتهم» ويعرضهم ويحتجزهم ويحبسهم» دون اعتبار يذكر لأى شىء آخر فيما عدا ””الوظيفة“ والأنساق التى يحققونها على المسرح الذى يظهرون عليه. وقد وصف إيزايا برلين تأثير أمثال هذه المواقف على النحو التالى : يعتبر عالّم البشر فى إمثل هذا. . . النوع من علوم الكون (بل يعتبر الكون كله فى بعض صور هذا العلم) هرما مدرَّجًا واحدًا وشاملاًء بحيث يصبح شرحك لسبب اتخاذ کل شیء فيه صورته الخحاصة ومكان وجوده وزمن وجوده وسبب فعله ما يفعله» شرحا آیضًا فی ذاته للهدف من وجوده» ومدی نجاحه فى تحقيق هذا الهدف. وتحديد علاقات التنسيق والتبعية فيما بين أهداف شتى الكيانات التى تسعى لتحقيق أهداف معينة فى 'الهرم المتناغم الذى تشكله معا. فإذا كانت هذه صورة صادقة للواقع فلابد أن ينحصر الشرح التاريخى» مثل كل شكل من أنواع الشروح» فى تحديد الأماكن اللائمة للأفراد والجماعات والأمم وأنواع المخلوقات الأخحرى فى هذا النسق العا مى. وإذن فإن معرفة الموقع ”الكونى“ لشىء ما آو لشخص ما معناها لقا ا فد وا که وفی نفس الوقت سبب اتخاذه هذه الصورة وفعله ما يفعل . وهكذا فإن الوجود واكتساب قيمة ما» أو الوجود واتخاذ وظيفة ما (والنجاح إلى حد ما فى أا شىء واج فاق وال وهی الدی ب کن وجود کل ما هو موجود» ویتسبب فی فنائه» وإسباغ غرض لوجوده» أى منحه القيمة والمعنى. .. وهكذا فإن الفهم رؤية الأنساق. . . وكلما ازداد تبيانك لحتمية وقوع حادثة أو فعل أو وجود شخصية ماء ازداد فهمك لهاء وازداد عمق نظرة الباحث الفاحصة» وازداد اقترابنا من الحقيقة الواحدة النهائية .

کے الفضل الأول

وهذا الموقف مضاد فى أعماقه للموقف الإمبيريقى الج

ويضدق عدا حقا على موقف الاستشراق بضفة غامة فهو بتر مع السحر ومع الأساطير فى نظامه المخلق التام بذاتهء والذى يدعم ذاتهء وفيه نرى أن الأشياء تتخذ الصورة التى تتخذها لأنها خلقت على هذه الصورةء فى اللحظة الراهنة وعلى مر الزمن كلهء ولأسباب وجودية لا تستطیع أى مادة إمبيريقية زحزحتها عن مكانها أو تغبيرها. وقد أدى اللقاء الأوروبى مع الشرق» وخحصوصاً مع الإسلامء إلى تدعيم النظام المشار إليه لتمثيل الشرقء وكذلك» على نحو ما قال هنرى بيرينء إحالة إلإسلام إلى صورة مجسدة للقوة الخارجية التى قامت الحضارة الأوروبية كلها على أساس معاداتها منذ العصور الوسطى . ويقول يرين إن تدهور الامبراطورية الرومانية نتيجة لغزوات الهمجيين“ كان له تأثير يتسم بمفارقة وهو إدراج الأساليب الهمجية“ فى الثقافة الرومانية وثقافة البحر المتوسط› كحال رومانياء ويمضى پيرين قائلاً إنه كان من عواقب الغزوات الإسلامية التى بدأت فى القرن السابع آن انتقل مركز الحضارة الأوروبية إلى خارج البحر المتوسط› وهو الذى كان تحت إمرة العرب» آى نحو الشمال. ”وهكذا بدأت الثقافة الحرمانية تلعب دورها فى التاريخ» فلقد كانت التقاليد الرومانية متصلة الحلقات حتى ذلك الوقت» ولكن حضارة رومانية جرمانية كانت توشك آن تنشأ آنذاك“ كانت أوروبا منغلقة على نفسهاء وكان الشرق مجرد مكان للتبادل التجارى»› وفيما عدا ذلك كان يقع ثقافًا وفكريًا وروحيًا خارج آوروبا والحضارة الأوروبية» وهی التی آصبحت» بتعبیر پيرين ””مجتمعا مسيحيا كبيراء مرادقا للكنيسة. . . وكان الغرب آنئذ يحيا حياته الخاصة به“ ”". ففى قصيدة دانتىء وفيما كتبه بطرس المبجل» وغيره من المستشرقين الكلونيين» وفى كتابات المسيحيين الذين حاولوا إقامة الحجة على الإسلام - من جيبير النوچنتی والقدیس بید» إلى روجر بيكون. ووليم الطرابلسی»ء وبیرشارد ”ابن جبل صهيون' ٠‏ إلى لوثر - وفى قصيدة إلسيد وأنشودة رولان» وفى

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

۳ا

مسرحية عطيل لشيكسبير (”ذلك الذى أفسد العالم“) يتخذ ”تمثيل“ الشرق والإسلام دائمًا صورة القوى الخارجية التى تنهض بدور خاص داخل أوروبا.

وهكذا فإن الجغرافيا الخيالية - من الصور الواقعية الحية التى نجدها فى الجحيم إلى الإشارات النثرية فى الببليوتيك أورينتال لديربيلو - تضفى الشرعية على مفردات معينة» وعلى عالم من ”الخطاب التمثيلى“ المقصور على مناقشة الإسلام والشرق وفهمهما. وما يعتبره هذا الخطاب“ حقيقة - کالقول بأن محمدا ت کان دجالا - يعتبر عنصرًا من عناصر هذا الخطاب“ آو بیانًا لشیء يرغم الخطاب المرء على الإقرار بصحته كلما ظهر اسم محمد. وتحت شتی وحدات ”الخطاب“ الاستشراقی - ولا آعنى بها أكثر من المفردات المستخدمة كلما أصبح الشرق موضوعاً للحديث أو الكتابة رة م او اة ارا ات وغو ها الهو بالشرق الحقيقى - أو بالإسلام» وهو مدار اهتمامى الرئيسى هنا - تشبه علاقة الملابس النمطية بالشخصيات فى إحدى المسرحيات» فهى تشبه مثلاً الصليب الذى يحمله الممثل الذى يلعب دور ”كل إنسان“ فى المسرحية التى تحمل ذلك العنوانء أو الحلة المحعددة الألوان التى يرتديها المهرج فى إحدى مسرحیات الحرف الإيطالية (کومیدیا دیلارتی). وہتعبیر آخر لا ینبغی لنا آن نبحث عن آى اتفاق بين اللغة المستخدمة فى تصوير الشرق وبين الشرق نفسهء ولا يرجع سبب ذلك إلى أن اللغة تفتقر إلى الدقة بقدر ما يرجع إلى أنها لا تحاول توخى الدقة. وآما الهدف الذى تسعى إلى تحقيقه دومًاء على نحو ما فعل دانتى فى الجحيم» فهو تحديد صورة الشرق باعتباره اجنبيًاء وإدخاله - وفق الرسم التخطيطى الموضوع - إلى مسرح رواده ومديره ومثلوه يتوجهون بعملهم إلى أوروباء وإلى أوروبا وحدها. ومن هنا جاء التذبذب بين المألوف والأجنبى» فمحمد هو الدجال داثمًا (مألوف لانه يتظاهر بانه مثل المسيح الذى نعرفه) وهو الشرقى دائمًا (أجنبى لانهء وإن كان ””يشبه“ المسيح من بعض الزواياء فإنه فى آخر الأمر ليس مثله).

س القصل الأول

وبدلا من رصد جميع الصور البلاغية المرتبطة بالشرق - بغرابته» واحتلافه» ونزعته الحسية العجيبة وما إلى ذلك - نستطيع التعميم فى وصف الشكل الذى وصلتنا به أو تلقيناها به من خلال عصر النهضة» فقول إنها جميعا تتسم بالإفصاح الصريح وطابع ”البداهية“ » والزمن الذى تستخدمه هو الأزلى أو اللازمنى' . وهى توحى بالتكرار والقوة» وهى دائًا ما تتصف بالتماثل مع نظائرها الأوروبية » وإن كانت آدنى إلى أقصى حد من هذه النظاثر الأوروبية التى قد تكون محددة أحيانًا وغير محددة فى أحيان أخرى. وتحقيق هذه الوظائف كلها لا يتطلب فى كثير من الأحيان أكثر من استعمال الزمن المضارع - وهو أبسط رابطة نحوية - على غرار القول بان محمدا دجال» وهى العبارة التي أضفى عليها ديربيلو مسحة قداسة فى الوك و اکا دائ طا راا ل ما دو ان ری اعد شروو لذكر الخلفية أو الأدلة اللازمةء فالدليل اللازم لإدانة محمد قائم فى صيغة الزمن المضارع . كما لا يقدم أحد على وضع شرائط أو صفات فى العبارةء بل ولا یری أحد آی ضرورة للقول بأن محمدا كان دجالاء كما لا ينظر أحد إطلاقًا فى إمكان الاستغناء عن تكرار العبارة» ومع ذلك فالكتّاب يكررونهاء ونقرأً من جديد آنه دجال» وفى كل مرة تقال تزداد صفة الدجل رسوخًاء ويكتسب المؤلف المزيد من السلطة والحجية فى إعلان ذلك. وهکذا فإن السيرة الشهيرة للنبى' محمد التى كتبها همفرى بريدو فى القرن السابع عشر تحمل عنوانًا فرعيًا هو الطابع الحقيقى للدجل . وأخيراء بطبيعة الحال» نجد آن آمثال هذه المراتب› کالدجال (أو حتی کالشرقی) توحی ضمتًاء بل وتتطلب فعلاً مقابلاً مضادا لھا بحیث یکون شينًا مختلمًا اختلافًا صادقًا ولا يحتاج إلى بذل جهد لا ينتهى فى تحديد هويته بصراحة . وهذا المقابل المضاد ””غربى“» أو هو يسوع المسيح فى حالة محمد عليهما السلام.

وهكذا نرى من الزاوية الفلسفية» أن نوع اللغة والفكر والرؤية الذى أطلَقت عليه صفة الاستشراق» يعتبر بتعميم شديد شكلاً من أشكال الواقعية الراديكالية » فكل من يستعمل الاستشراق - وهو اعتياد التعامل مع المسائل

۾ نطاق الاستشراق ۾ س

141

142 |

والأشياء والصفات والأصقاع التى تعتبر شرقية - يقوم بتحديد وتسمية وتثبيت والإشارة إلى ما يتحدث عنه أو ما يفكر فيه بكلمة واحدة أو بعبارة واحدة» يرى بعدها آنها قد اتخذت طابع الواقع أو أصبحت الواقعم وحسب . ويعتبر الاستشراق من الناحية البلاغية الصرفة ذا منهج تشريحى وتعديدى بشكل مطلق» واستخدام مفرداته يعنى القيام بتقسيم الموضوعات الشرقية

وتفتيتها بحيث تصبح ميسورة المعالحة. ويعتبر الاستشراق من الناحية

السيكلوجية شكلاً من أشكال الخيلاء المرضى» أو معرفة من نوع آخرء أو قل من نوع يختلف عن المعرفة التاريخية العادية. وأعتقد أن هذه بعض نتائج الجغرافيا اللخيالية والحدود المسرحية التى ترسمها. ولكن أمامنا بعض الصور التى اتخذتها هذه النتائج الاستشراقية بسبب تحولاتها الخاصة فى العمصر الحديث» ولابد لى أن أتناولها الآن . ثالث مشروعات

لاد لنا من دراسة النجاحات العملية البراقة التى حققها الاستشراق› وإن اقتصرت الغاية على معرفة مدى الخطا (ومدى المجافاة الكاملة للواقع) فى الفكرة التى عبر عنها ميشيليه » وتتضمن التهديد المهيب الذى يقول بان ”الشرق يتقدم» بخطى لا تقهرء للقضاء على أرباب النور بجاذبية أحلامه» وبسحر أضوائه الخافتة“" لقد مرت العلاقات الفقافية والمادية والفكرية بين أوروبا والشرق بمراحل لا تعد ولا تحصى» وإن كان الخط الفاصل بين الشرق والغرب قد ترك انطباعا معيتًا ولا يتغير فى أوروباء ومع ذلك» وبصفة عامة» كان الغرب هو الذى ‏ يتحرك' نحو الشرق» لا العكس. والاستشراق هو اسم الجنس“ الذى استعملته فى وصف مدخل الغرب إلى الشرق؛ فالاستشراق هو المبحث الذى استطاع الغرب بفضله (ولا يزال) أن يتناول الشرق بالبحث العلمى بصورة منتظمة» وأن يبذل فيه جهوده فى الاستكشاف وفى العمل أيضًا. ولكننى استعملت الكلمة» بالإضافة إلى ذلك» فى الإشارة إلى تلك المجموعة من الأحلام والصور الشعرية والمفردات المحاحة

س الفصل الأول

لكل من حاول الحديث عما يقع شرق ذلك الخط الفاصل. ولا تناقض بين هذين الجانيين من جوانب الاستشراق» إذ استطاعت أوروبا باستعمالهما معا أن تتقدم آمنةء تقدمًا حقيقَيًاء نحو الشرق. وهنا أود أن أنظر بصفة رئيسية فى الأدلة المادية على هذا التقدم .

ظل تاريخ الشرق» باستشناء الإسلام» حتى القرن التاسع عشرء تاريخ سيادة غربية متصلة الحلقات دون تح من جانب أحد. ويصدق هذا بوضوح على الوجود البريطانى فى الهندء والوجود البرتغالى فى جزر الهند الشرقية ؛ والصين واليابان» والوجود الفرنسى والإيطالى فى شتى مناطق الشرق. وكانت تقع أحداث عارضة يتمرد فيها السكان فيعكرون صفو الصورة الشاعرية» على نحو ما حدث فی ٠١۳۹-۱۹۳۸‏ حين هبت مجموعة من المسيحيين اليابانيين فطردت البرتغاليين من المنطقةء ولكن الشرق العربى والإسلامى وحده هو الذى كان يشل لأوروباء بصفة عامةء تحديًا لم يحسم على المستويين السياسى والفكرىء وعلى المستوى الاقتصادى أيضًا لفترة ما. وإذن فإن جانا كبيرًا من تاريخ الاستشراق يحمل فى داخله طابع الموقف الاوروبى الكل إزاء الإسلامء وهذا الجانب البالغ الحساسية من الاستشراق هو الذى يدور حوله اهتمامى فى هذه الدراسة.

ولا شك أن الإسلام كان يمثل مصدر استفزاز حقيقى من زوايا عديدة» فموقعه مجاور وقريب من المسيحية» جغرافيا وثقافياء إلى حد مقلق . فلقد انتفع بالتقاليد اليهودية اليونانية» وأبدع فأتى بالجديد فيما أخذه من المسيحية؛ وحقق من النجاحات العسكرية والسياسية التى لا تبارى ما حق له أن يتفاخر به. بل لم يقتصر الأمر على ذلك إذ إن الأراضى الإسلامية تجاور بل تقع فى بعضها الأماكن المذكورة فى الكتاب المققدس . أضف إلى ذلك أن قلب الدولة الإسلامية كان دائئًا يقع فى أقرب المواقع إلى أوروباء أو ما يسمى بالشرق الأدنى . والعربية والعبرية من اللغات السامية» وهما معا تتصرفان؟ وتعيدان ‏ التصرف“ فى الادة التى تكتسى أهمية بالغة للمسيحية. ومنذ آخحر القرن السابع حتى موقعة ليپانتو البحرية عام ٠١١١‏ كان الإسلام بإحدى

نطاق الاستشراق ۾ س

mm

آ

صوره - العربية أو العشمانية أو الشمالى إفريقية أو الإسپانية - سائدا أو مصدر تهديد فعلى للمسيحية الأورويية. ومن المحال أن يغيب عن ذهن أى أوروبىء فى الماضى أو فى الحاضرء أن الإسلام استطاع التفوق على روما وسطع نجمه سطوعا آشد. ولا یستثنى من